من “مانويل نورييغا” رئيس بنما عام 1989، لـ “سلوبودان ميلوزوفيتش” في صربيا2001، فَـ صدام حسين العراقي عام 2003، مرورا بـ”جان برتران أريستيد” رئيس هايتي سنة 2004 ووصولا لنيكولاس مادورو فنزويلا بداية عامنا هذا…اعتادت الولايات المتحدة في عهد رؤساءها الجمهوريين خطف قادة وزعماء دول “معادية”، ومحاكمتهم إما مباشرة أو عبر وكلاء. من تفاجأ مما حدث جاهل بتاريخ يُراد لنا أن لا نتعلم من مدرسته، وأن نبقى أسرى لشاشات صغيرة بفيديوهات صغيرة، وذاكرة أصغر.
الولايات المتحدة لا تُصالح سوى مصالحها. لو كنت أقذر من في الأرض لكنك تعمل حسب تعليماتها لنُلت الثناء والتصفيق والحب والمودة. أما لو شققت عصى الطاعة، فأنت “مُجـ.ـرم شرير” ولو بلغت حسناتك عنان السماء؛ هو قانون وحق القوة؛ أمريكا تُردد للعالم أجمع قول فرعون: وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد!!!!
قراءة التاريخ، الذي يصورونه لنا كونه عديم الفائدة جنبا إلى جنب مع باقي علوم الإنسان، تُظهر لنا أن غدر أمريكا لا يكون فقط بـ”أعداءها” بتكسير جميع النظم والقواعد، بل يمتد لأقرب الأصدقاء إذا وفقط إذا تعارضت مصلحتها مع تواجدهم في السلطة، أو حتى مع بقائهم على قيد الحياة.
الجميع يكاد يُجزم ويردد أن لا أعداء ولا أصدقاء دائمين في السياسة، بل مصالح دائمة. لكن قلة قليلة جدا من “زعماء” العالم الثالث تضبط مصالحها على مصالح شعوبها، بدلا من ربطها بمصالح أمريكا وحلفائها، حتى لا تضيع الشعوب بين نزوة حاكم وغدر وغطرصة العم سام.
في هذا التقرير تذكير بلائحة “اصدقاء” اعتقدوا وغرهم الغرور بأن نجاتهم كامنة في دعم وغطاء واشنطن الفوقي لا في قاعدة شعبية صلبة، ليكون مصيرهم المحتوم الخلع، الاغتيال، السجن أو النفي. فانتهوا يا أولي الألباب!!!
******
أكتوبر 1981، وبعد سنتين فقط من توقيع اتفاق التطبيع مع دولة الاحتلال وسط غضب رسمي وشعبي عارمين، وطعن أمة بأكملها في الظهر. أمة، ورغم كل مساوءها وقفت معه من المحيط إلى الخليج، أخبر الأمريكيون الرئيس المصري أنور السادات بأن لديهم معلومات استخباراتية عالية الدقة بكون حرسه الخاص يُدبر اغتياله. ما كان مِن مَن اعتقد نفسه بطل الحرب والسلام إلا أن أمر بتجريد حرسه من السلاح!
يوم واحد قبل السادس من أكتوبر 1981، التحق خالد الإسلامبولي ورفاقه بلائحة العرض العسكري في الدقيقة تسعون، حصلوا على القنابل والرصاص وإبر ضرب النار ولم يُفتشوا…وبمجرد مرور شاحنتهم أمام منصة سيادة الرئيس حتى اقتنصوه كالحمامة، مع تدخل الحرس برمي الكراسي والطاولات لحماية رأس البلاد!
أخذ المهاجمون راحتهم في إفراغ خزائنهم في جسد الرئيس السادات، ولم يرد عليهم بالرصاص سوى الأجنبي (المُلحق العسكري الأمريكي ومبعوث سُلطان سلطنة عُمان).
*****
بسبب حرب فيتنام، قررت الولايات المتحدة تعيين شرطة للشرق الأوسط وعدم الانجرار كرة أخرى في مستنقع قد لا تخرج منه. وظّفت بين 1969 و1979 شاه إيران (محمد رضى بهلوي) إلى جانب إسرائيل لحفظ الأمن في المنطقة، مُزودة إياهم بالمال والسلاح والعتاد، في مهمة أتقنها الشّاه بكل تجرد وإخلاص.
لكن، وبمجرد اندلاع ثورة 1979، رفضت واشنطن منح شرطيها المُخلص (الشاه) تأشيرة لدخول أراضيها، وظل يطرق أبواب الغرب دون استجابة إلى أن استقبله صديقه السادات، والذي لقي نفس الخيانة…من نفس الأصدقاء!
*****
بقي الرئيس المصري محمد حسني مبارك خادم أعتاب الأمريكي ومن وراءه الإسرائيلي لأزيد من 30 سنة، حتى أنا تقاريرا تفيد أنه (مبارك) وقف في وجه تسوية مشكلة غزو العراق للكويت عربيا عام 1990 وبداية 1991، لصالح التدخل الأمريكي، مقابل إلغاء 30 مليار دولار من ديون أمريكا والغرب على القاهرة (عادت وارتفعت في عهد السيسي لأزيد من 160 مليار دولار!).
ولكن، ومع هبَّة المصريين في وجهه، راسل الرئيس الأمريكي باراك أوباما صديقه حسني مبارك حاثا إياه على ضرورة التنحي. استدعي الفريق سامي عنان، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية لواشنطن، لترتيب خطوات إزاحة (الخادم السابق) وتسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة زمام الأمور…والله الموفق والمُستعان!
*****
دجنبر 2003، هرول العقيد معمر القذافي حاكم ليبيا لتسليم ترسانته وخططه لامتلاك “أسلحة دمار شامل” لواشنطن بعد غزو العراق، بل وأفشى (دون ضغط) سر العقل الباكستاني الذي سلَّم التكنولوجيا النووية لإيران وكوريا الشمالية وليبيا ( عبد القدير خان)، ما كلف الأخير البقاء لسنوات حبيس الإقامة الجبرية في بيته حتى توفاه الله.
طبّع القذافي مع الغرب وكفر بقضية فلسطين داعيا لإقامة دولة واحدة (إسراطين). كما دفع أكثر من 2 مليار دولار تعويضات لضحايا إسقاط طائرة لوكربي عام 1988، و35 مليون دولار لقتلى تفجير ملهى لابيل في برلين 1986. أفرج سنة 2007 عن ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني أدينوا قضائيا بنقل مرض السيدا لـ 400 طفل ليبي.
كل ذلك لم يشفع للزعيم القائد ساعة الحسم، فاصطادته طائرة أمريكية بدون طيار ومقاتلة ميراج 2000 فرنسية، دقائق معدودة بعد محاولة موكبه الهروب من سرت صوب الصحراء الليبية خريف العام 2011.
*-*****
الرئيس الباكستاني برويز مشرف، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس، مانويل نوريجا رئيس بنما، بينوشيه دكتاتور تشيلي، موبوتو رئيس الكونغو، ابن علي رئيس تونس وغيرهم الكثير…أمثلة تقول أن لا تقة في عتيقة (أمريكا) ولا في ابنتها (تل أبيب)، سواء في خدمة الأنظمة، البلدان أو الشعوب!
باستثناء إسرائيل، التي تتحالف واشنطن معها كدولة وكيان وعقيدة لا كأشخاص وسياسات، تعتبر أمريكا كل أنظمة العالم الثالث أعواد ثقاب تُستعمل لمرة واحدة وتُرمى، خصوصا إن فقدت تلك الأنظمة الدعم والحاضنة الشعبية.
للقصة بقية….







