في الوقت الذي قدمت فيه زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، قرار منع تصدير السردين المجمد باعتباره إجراءً حكوميا استباقيا يهدف إلى تفادي ارتفاع الأسعار مع اقتراب شهر رمضان، كشفت معطيات حصلت عليها نيشان أن هذا القرار جاء في سياق أكثر تعقيدا، مرتبط بتراجع مقلق في المفرغات واضطراب في توازن العرض، وليس فقط برغبة استباقية في حماية القدرة الشرائية للمغاربة.
وكانت الدريوش قد أكدت خلال جلسة للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن منع تصدير السردين المجمد ابتداء من فاتح فبراير المقبل سيساهم في ضمان وفرة المنتوج بالسوق الوطنية وضبط الأسعار في مستوى “مقبول”، مشددة على أن الحكومة اتخذت هذا القرار بعد معاينة نقص في منتوج السردين، وبالتنسيق مع وزارة الصناعة والتجارة.
غير أن مصادر مهنية في قطاع الصيد البحري تحدثت عن تراجع حاد في كميات السردين المفرغة بعدد من الموانئ خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بموانئ الوسط والجنوب، نتيجة عوامل مركبة، من بينها الضغط المتزايد على المصايد، وتقلص فترات الصيد الفعلي بسبب الظروف المناخية، إلى جانب ارتفاع كلفة الرحلات البحرية وتراجع مردودية عدد من الوحدات النشيطة في الصيد الساحلي.
وتشير المصادر إلى أن بعض وحدات التجميد والتصبير شرعت، منذ نهاية سنة 2025، في تقليص وتيرة نشاطها بسبب عدم انتظام التزود بالسردين، وهو ما انعكس على الأسعار داخل أسواق الجملة، ودفع إلى تسجيل قفزات متفرقة في الأثمان حتى قبل الحديث عن ذروة الطلب المرتبطة بشهر رمضان.
وفي هذا السياق، ترى المصادر أن قرار منع التصدير، وإن قُدم في الخطاب الرسمي كإجراء احترازي، يعكس في العمق محاولة لاحتواء اختلالات بنيوية ظلت تؤجل معالجتها، خصوصا في ما يتعلق بتدبير المخزون السمكي السطحي الذي يشكل، حسب اعتراف كاتبة الدولة نفسها، حوالي 80 في المائة من الثروة السمكية الوطنية.
ورغم تأكيد الدريوش أن الأسعار “معقولة إلى حد ما”، فإن مهنيين وتجار تقسيط يؤكدون أن هامش التذبذب في أسعار السردين أصبح أكبر من قدرة السوق على التحمل، في ظل تعدد المتدخلين وغياب ضبط فعلي لسلسلة التسويق، وهو ما جعل المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة العرض والطلب.
وتزامن هذا الجدل مع إبراز المسؤولة الحكومية لتقدم ورش الرقمنة داخل القطاع، سواء على مستوى التصدير أو أسواق البيع الأول أو مراقبة البواخر عبر الأقمار الاصطناعية، معتبرة أن هذه الأدوات عززت الشفافية وحسنت التتبع. غير أن فاعلين في المجال يرون أن الرقمنة، رغم أهميتها، لم تنعكس بعد بشكل ملموس على استقرار السوق أو على حماية السردين كمنتوج شعبي يفترض أن يظل في متناول الأسر المغربية.
ويطرح قرار منع تصدير السردين المجمد، في هذا السياق ووفقا للمصادر، أكثر من علامة استفهام حول نجاعة التدبير الاستباقي المعلن، وحول ما إذا كان يعالج أصل الأزمة المرتبطة باستدامة المخزون وتنظيم السوق، أم يكتفي بتدبير ظرفي لتداعيات اختلالات تتكرر مع كل موسم ضغط أو مناسبة استهلاكية كبرى.







