بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف، أعادت أمطار الأسابيع الأخيرة بعض التوازن إلى وضعية الموارد المائية بالمغرب، لكنها في الوقت نفسه كرّست تفاوتا مجاليا واضحا بين شمال عرف انتعاشا ملموسا في حقينة السدود والفرشات السطحية، ووسط وجنوب ما زالا يعيشان تحت ضغط الإجهاد المائي. هذا ما تؤكده المعطيات الرسمية الصادرة عن المصالح المختصة، والتي تشير إلى أن نسبة ملء السدود بلغت إلى حدود 7 يناير الجاري حوالي 44,8 في المائة، بما يعادل أكثر من 7,5 مليارات متر مكعب، وهو مستوى لم يُسجل منذ نحو خمس سنوات.
مصادر مهنية في قطاع الماء أوضحت لـ “نيشان“، أن هذا التحسن يعود أساسا إلى التساقطات المهمة التي همّت شمال وغرب المملكة منذ نهاية دجنبر، ما انعكس بشكل مباشر على أحواض مثل اللوكوس وسبو وأبي رقراق. فقد تجاوزت نسبة الملء في حوض اللوكوس 62 في المائة، وفي حوض سبو 53 في المائة، بينما بلغ سد سيدي محمد بن عبد الله، الذي يؤمن التزود بالماء الشروب لمحور الرباط ـ الدار البيضاء، مستوى يقارب الامتلاء الكامل، ما خفف الضغط عن أكبر تجمع حضري بالمملكة بعد سنوات من القلق المتواصل بشأن الأمن المائي.
في المقابل، تشير المعطيات نفسها إلى أن هذا التحسن لم يشمل مختلف مناطق البلاد بنفس الوتيرة. فحوض أم الربيع، الذي يعد من أهم الأحواض المائية بالوسط، لا يتجاوز حاليا 19 في المائة من حقينته، فيما يظل وضع سوس ماسة هشّا رغم تحسن بعض السدود داخله، وذلك بسبب الاستنزاف البنيوي للموارد، خصوصا في ظل نموذج فلاحي كثيف الاستهلاك للماء.
من جهته أوضح الخبير البيئي “أيوب مرير” أن “التساقطات الأخيرة مهمة، لكنها غير كافية لقلب الاتجاه العام الذي طبع الوضع المائي خلال السنوات الأخيرة”، مشددا على أن الفرشات الجوفية استنزفت بشكل كبير، وأن إعادة تعبئتها تحتاج إلى سنوات من التساقطات المنتظمة، وليس إلى موسم مطير واحد مهما كانت شدته.
وأضاف في اتصال هاتفي مع نيشان، أن التوزيع غير المتكافئ للأمطار يفسر استمرار العجز في عدد من الأقاليم، ويحد من الأثر الوطني الشامل لهذا التحسن.
وعلى المستوى الاقتصادي، يترقب الفاعلون انعكاس هذا التحسن المطري على الموسم الفلاحي، الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ويوفر مصدر عيش مباشر لملايين المغاربة. مصادر في القطاع الفلاحي أفادت أن تحسن رطوبة التربة وامتلاء بعض السدود سيسهمان في إنقاذ جزء مهم من الزراعات الخريفية والربيعية، وفي تحسين وضعية المراعي، ما قد يخفف جزئيا من كلفة الأعلاف ومن الضغط على مربي الماشية.
غير أن المصادر تحذر من الإفراط في التفاؤل، معتبرة أن الحكم على الموسم الفلاحي لا يمكن أن يتم قبل نهاية فصل الشتاء وبداية الربيع، حين تتضح وتيرة التساقطات واستمراريتها.
ويرى مختصون أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في كمية الأمطار، بل في القدرة على تحويل هذا التحسن المناخي إلى أثر اقتصادي واجتماعي مستدام، عبر سياسات عمومية تراجع طرق تدبير الماء، ونموذج الإنتاج الفلاحي، وأنماط الاستهلاك الحضري.
وبينما تنعكس الأمطار إيجابا على المزاج العام في القرى والمدن الشمالية، حيث عادت الأودية إلى الجريان وتأخرت بعض مواسم الجني بسبب وفرة المياه، تبقى مناطق أخرى خارج هذا الانتعاش النسبي، وهو ما يجعل من موسم هذه السنة موسما “بنصف أثر”، وفق توصيف “المصادر”، مشيرة الى انتعاش واضح في الشمال، مقابل استمرار للعطش والضغط في الوسط والجنوب، في انتظار ما ستجود به السماء خلال الأسابيع المقبلة، وما ستقرره السياسات العمومية على المدى المتوسط والبعيد.







