أكدت محكمة النقض أن مسؤولية الطبيب لا تنحصر في تشخيص المرض ووصف العلاج، وإنما تمتد إلى مراعاة خصوصية الحالة الصحية للمريض ومتابعة الآثار المحتملة للأدوية الموصوفة له، معتبرة أن واجب اليقظة يشكل جزءا أصيلا من الالتزام الطبي الذي تفرضه القواعد العلمية والقانونية المنظمة لمزاولة مهنة الطب.
وجاء هذا الموقف القضائي في قرار صادر بتاريخ 13 فبراير 2024، أعيد تداوله خلال الأيام الأخيرة بين عدد من المختصين في القانون والمهتمين بالاجتهاد القضائي، بالنظر إلى ما تضمنه من مبادئ قضائية مهمة في مجال المسؤولية الطبية، لا سيما ما يتعلق بحدود التزام الطبيب تجاه مريضه وسلطة المحكمة في تقدير الخبرة الطبية وإثبات العلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
ويتعلق الأمر بقرار لمحكمة النقض رفضت بموجبه الطعن الذي تقدمت به طبيبة بتطوان في مواجهة حكم قضائي ألزمها بأداء تعويض إجمالي قدره 300 ألف درهم لفائدة طفل أصيب بمضاعفات صحية خطيرة عقب تناوله دواء وُصف له خلال استشارة طبية، بعدما خلصت الخبرة الطبية إلى وجود علاقة سببية بين تناول الدواء وتدهور حالته الصحية.
وتعود وقائع الملف إلى سنة 2017، حين اصطحب أب ابنه الذي لم يكن يتجاوز عمره 13 سنة إلى طبيبة لتلقي العلاج، حيث أخضعته لفحص سريري وحررت له وصفة طبية تضمنت أقراصا دوائية. غير أنه بمجرد تناول الطفل للدواء، ظهرت عليه مضاعفات صحية خطيرة تمثلت في ارتفاع مفرط في درجة الحرارة وانتفاخ واحمرار الشفتين والعينين، فضلا عن ظهور بقع حمراء وتقيحات جلدية وتشوه على مستوى الوجه.
واستدعت خطورة الحالة نقل الطفل على وجه السرعة إلى المركز الاستشفائي ابن سينا بالرباط، حيث أدخل إلى قسم العناية المركزة لمدة تجاوزت عشرين يوما، فيما أكد التقرير الطبي الصادر عن المؤسسة الاستشفائية أن تناول الأقراص الموصوفة كان السبب المباشر لتدهور حالته الصحية.
وعلى إثر ذلك، تقدم والد الطفل بدعوى قضائية أمام المحكمة الابتدائية بتطوان مطالبا بالتعويض عن الأضرار اللاحقة بابنه، لتنتهي المحكمة إلى الحكم لفائدته بتعويض إجمالي قدره 300 ألف درهم. وبعد استئناف الطبيبة للحكم وإجراء خبرة ثانية في الملف، قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي، قبل أن تلجأ المعنية بالأمر إلى محكمة النقض.
واستند الطعن إلى دفوع تتعلق بنقصان التعليل وإغفال عنصر العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، فضلا عن عدم الاستجابة لطلب إجراء خبرة طبية ثلاثية، مع التشكيك في مدى كفاية الخبرة المنجزة للفصل في النزاع.
غير أن محكمة النقض اعتبرت أن تقييم نتائج الخبرة واستخلاص العلاقة السببية بين الفعل والضرر يدخلان ضمن السلطة التقديرية لقضاة الموضوع، ما دام استخلاصهما مؤسسا على تعليل سليم ومستمد من وثائق الملف، مؤكدة أن رقابتها لا تمتد إلى إعادة مناقشة الوقائع التي استقر عليها قضاة الموضوع.
وشدد القرار القضائي على أن التزام الطبيب تجاه مريضه لا يقف عند حدود تشخيص المرض ووصف العلاج، بل يشمل كذلك مراعاة سن المريض وحالته الصحية وما قد تفرضه من احتياطات خاصة، إلى جانب تتبع الآثار المحتملة للأدوية الموصوفة له وفق الأعراف المهنية والقواعد العلمية المستقرة.
واعتبرت المحكمة أن ما ثبت في الملف يعكس تقصيرا في واجب اليقظة ومتابعة الحالة الصحية للمريض، مشيرة إلى أن الطبيبة لم تدل بما يفيد احترامها للبروتوكول الطبي الذي يفرض الموازنة بين أخطار المرض وأخطار العلاج، وفق ما يقتضيه القانون رقم 10.94 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، وهو ما عزز قناعة المحكمة بقيام مسؤوليتها المدنية عن الضرر اللاحق بالمريض.
وفي ما يتعلق بطلب إجراء خبرة ثلاثية، أكدت محكمة النقض أن اللجوء إلى أكثر من خبير يبقى مجرد إمكانية قانونية مخولة للمحكمة بموجب مقتضيات قانون المسطرة المدنية، وليست إجراء إلزاميا يتعين الاستجابة إليه كلما طلبه أحد أطراف الدعوى، ما دامت عناصر الملف والخبرة المنجزة كافية لتكوين قناعتها والفصل في النزاع.
وبناء على ذلك، خلصت محكمة النقض إلى أن القرار المطعون فيه جاء معللا تعليلا كافيا ومؤسسا قانونا، وقضت برفض طلب النقض وتحميل الطاعنة الصائر القضائي.







