يلقبونه بـ«العنكبوت» و«القفاز الحديدي»، لا على سبيل الاستعارة البلاغية بقدر ما باعتبارها توصيفا عمليا لحارس مرمى اعتاد أن يكون حاضرًا حين تتراجع هوامش الخطأ إلى الصفر. مساء أمس الأربعاء، في نصف نهائي كأس إفريقيا أمام نيجيريا، تحوّل ياسين بونو إلى نقطة التوازن الوحيدة في مباراة مشدودة الإيقاع، فتصدى لضربتي جزاء وحسم عبور المنتخب المغربي إلى النهائي، قبل أن يُتوَّج بجائزة رجل المباراة في لقاء كان عنوانه الصبر والانضباط أكثر مما كان عنوانه الاندفاع الهجومي.
بونو، المزداد في 5 أبريل 1991 بمونتريال لأبوين مغربيين، عاد في طفولته إلى الدار البيضاء حيث تشكّلت ملامح مساره داخل مدرسة الوداد الرياضي. في 2011، وجد نفسه فجأة في واجهة نهائي دوري أبطال إفريقيا، لا باعتباره مشروع نجم، بل باعتباره حلاً اضطراريا فرضته إصابة الحارس الأول “نادر المياغري”. غير أن تلك اللحظة، التي بدت عابرة، كانت بمثابة إعلان مبكر عن شخصية قادرة على التعامل مع الضغط دون أن تبحث عنه.
بعد عام واحد، غادر الوداد إلى الفريق الرديف لأتلتيكو مدريد في خطوة لم تكن محسوبة تجاريا ولا مضمونة رياضيا. في منظومة مزدحمة بأسماء من حجم كورتوا وأوبلاك، لم يكن الطريق مفتوحاً فاختار بونو المسار الأطول “الإعارات”، “الدرجات الأدنى”، وعدد لا يحصى من المباريات خارج الضوء. في سرقسطة ثم خيرونا، أعاد بناء نفسه كحارس يُعتمد عليه، قبل أن يصل إلى الليغا من بوابة الاستحقاق لا من بوابة السمعة.
مع إشبيلية، وجد بونو أخيرا السياق الذي يترجم فيه تراكم السنوات. انتقل مُعارًا، بدأ احتياطياً، ثم تحوّل إلى عنصر مركزي في فريق تنافسي، وتُوّج بلقب الدوري الأوروبي، ثم بجائزة “زامورا” كأفضل حارس في الدوري الإسباني موسم 2021-2022، في سابقة عربية وإفريقية، بعد أن سجل أعلى نسبة تصديات في الليغا في موسم كانت فيه تفاصيل المباريات تُحسم في المساحات الضيقة.
وفي المنتخب، جاء التحول متأخراً نسبيا لكنه كان حاسما. منذ أول ظهور دولي سنة 2013، ظل اسمه مرتبطاً بلائحة المناداة أكثر مما كان مرتبطاً بالتشكيل الأساسي، قبل أن يصبح الرقم واحد في مرحلة تزامنت مع صعود جيل جديد. في مونديال قطر 2022، دخل بونو دائرة الاعتراف العالمي بعد حصة ركلات الترجيح أمام إسبانيا، ثم أعاد إنتاج الصورة نفسها في نصف نهائي كأس إفريقيا أمام نيجيريا، لكن هذه المرة أمام جمهور مغربي ينتظر من هذا الجيل أن يذهب أبعد مما سبق.
ما يميّز بونو تقنيا ليس القفز ولا الامتداد فقط، بل القدرة على إدارة الزمن داخل المباراة. في ركلات الجزاء، لا يتقدم خطوة إضافية ولا يفتعل الاستفزاز، بل يراهن على القراءة المبكرة ولحظة القرار. في المباريات الكبرى، يبدو أقل انفعالاً كلما ارتفع منسوب التوتر، وهي خاصية نادرة في مركز تُقاس فيه الأخطاء بالنتائج المباشرة.
بانضمامه إلى الهلال السعودي، دخل بونو مرحلة جديدة مهنياً دون أن يفقد موقعه داخل المنتخب، حيث يُنظر إليه اليوم ليس فقط كحارس مرمى، بل كأحد عناصر التوازن النفسي داخل المجموعة، وكضمانة ضمنية في المباريات التي لا تُحسم إلا من نقطة الجزاء أو بخطأ واحد.
ما حدث أمام نيجيريا لم يكن لحظة استثنائية بقدر ما كان تلخيصاً لمسار مبني على الاختيارات الصعبة والتدرج البطيء. في زمن تُصنع فيه النجومية بسرعة، يبدو ياسين بونو استثناءً هادئاً.. حارس لم يصعد بالقفز، بل بالمراكمة، ولم يصل في لحظة، بل وصل حين صار مستعدا للبقاء.







