في مداخلته خلال اللقاء الدراسي الذي نظمته المجموعة النيابية للعدالة والتنمية تحت شعار ” أي ضمانات لتطوير مهنة العدول وتأهيلها ” أفصح السيد وزير العدل عن دافع إعداد ذلك المشروع وغيره من مشاريع قوانين مجموعة أخرى من المهن من خلال تأكيده أن توجهه هو “نزع يد الجميع على أموال المرتفقين سواء تعلق الأمر بالعدول أو الموثقين أو المحامين”، أما منهجية الإعداد فقد عبر عنها بقوله ” إن أحدا لن يلوي ذراعه في التمسك بقناعته لأن المغرب دولة مؤسسات والبرلمان هو الجهة المخولة دستوريا لقبول النص أو تعديله”.
وهما موقفان يستوجبان التوقف عندهما بشكل موجز لبيان ما إذا كان باعث حماية أموال المرتفقين له تجليات في كل مشاريع القوانين التي تمت المصادقة عليها حديثا أو التي لازالت في طور المصادقة أم أنها قاصرة على المهنيين في علاقتهم مع زبنائهم فقط من جهة، ومن جهة أخرى للبحث فيما إذا كانا يحترمان مقتضيات الدستور وخاصة مبدأ الديمقراطية التشاركية أم لا.
فبخصوص الموقف الأول المتمثل في نزع يد الجميع عن أموال المرتفقين فهو مبرر يبدو لي متهافتا لأن ذلك الهدف السامي لا نجد له صدى في قوانين أخرى تمت المصادقة عليها او معروضة للمصادقة على البرلمان خلال ولاية الحكومة الحالية وبيان ذلك في التالي:
1) لا شك أن نزع اليد الغير عن أموال أصحابها هو بإطلاق مطلب سني له أصل شرعي فمما جاء في كتاب المستصفى للإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله أن ” مقصود الشرع من الخلق خمسة : وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم ، وعقلهم ، ونسلهم ، ومالهم ، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ، ودفعها مصلحة ” مما يجعل حماية أموال المرتفقين من أصحاب المهن ضرورة تستجيب لمقصود الشرع والقانون ، لكن الحماية المروج لها لتمرير القوانين المهنية هي حماية مجتزئة وناقصة ، لأن حماية الأموال يجب ان تكون عامة وشاملة، فإذا كان من أصول الشرع والقانون ضرورة حماية المال الخاص من المهنيين الفاسدين ، فالأولى أن تمتد تلك الحماية لتشمل صيانة المال العام من كل فاسد وعابث وناهب، ولا شك أن من بين أهم آليات تفعيل تلك الحماية تمكين المرتفقين باعتبارهم مواطنين من اللجوء إلى القضاء لتقديم شكايات بمن يشتبه ارتكابهم جرائم ماسة بالمال العام إلا قانون المسطرة الجنائية الجديد قد حرمهم من تلك الآلية إذ نصت المادة 3 فقرة 7 من القانون رقم 03.23 على أنه ” لا يمكن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسة بالمال العام، إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة بناء على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات أو بناء على طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات او من الإدارات المعنية ، او بناء على إحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة أو الوقاية من الرشوة ومحاربتها أو كل هيئة يمنحها القانون صراحة ذلك”.
إذن فالحماية المستند إليها لتبرير القوانين المهنية ليست نابعة من منطلقات مبدئية بل إن آثار الانتقائية بادية عليها بشكل جلي، إذ أن تكبيل يد المرتفقين وحرمانهم من الآليات التي تمكنهم من تقديم شكايات لحماية المال العام، يجعل هذا المبرر متهافتا لسهولة نقضه كحجة لتبرير تمرير مشروعي القانونين.
2) إن هدف حماية أموال المرتفقين لا تستقيم مع ما ورد في مشروع قانون المسطرة المدنية من مقتضيات تجعل في حكم المستحيل عليهم (المرتفقين) تنفيذ الأحكام الصادرة لفائدتهم ضد الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وشركات الدولة، ولا مع ما ورد بقانون المالية لسنة 2026 من تمديد الأجل المخصص للدولة والجماعات الترابية لتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها بأداء التعويضات لفائدة المحكوم لهم بمبالغ ضد تلك الأشخاص.
ان المقتضيات أعلاه قد جعلت يد المرتفقين وحتى المهنيين منزوعة عن الوصول إلى حقوقهم مما يجعل باعث إعداد هذه المشاريع لا يصمد أمام النقد.
3) ان المبرر المستند إليه منطلق من واقع غير صحيح فلا المحامون ولا العدول لهم إمكانية وضع اليد على أموال المرتفقين لان قانون المحاماة رقم 28.08 في المادة 57 قد أحدث آلية خاصة متعلقة بودائع الزبناء يديرها مجلس الهيئة تتمثل في تأسيس حساب ودائع يتم به لزوما إيداع المبالغ المسلمة للمحامين على سبيل الوديعة، أما العدول فإن القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة لم يمكنهم من أية إمكانية لقبض ودائع مما يجعل الباعث المفصح عنه لتقديم مشروعي القانون غير حقيقي.
أما بخصوص الموقف الثاني المعبر عنه من طرف من أعد مشروعي القانونيين بقوله أنه ” لن يلوي أحد ذراعي في التمسك بقناعتي فنحن في دولة مؤسسات والبرلمان هو الجهة المخولة دستوريا لقبول هذا النص أو تعديله” فهو قول يصادم روح ونصوص الدستور من نواحي عدة :
1) ان الدستور المغربي لسنة 2011 تبنى مقاربة ديمقراطية مبتكرة وجديدة فإذا كانت الديمقراطية تتم ممارستها إما مباشرة عن طريق الاستفتاء أي الديمقراطية المباشرة، وإما بطريقة غير مباشرة عن طريق المجالس المنتخبة في إطار الديمقراطية التمثيلية فان قصور النمط الأخير عن التعبير عن تطلعات المواطنين نظرا لانخفاض كتلة المصوتين في جميع دول العالم التي تنحصر غالبا في حدود 50 % من المواطنين، دفع الكثير من الدول إلى تبني نموذج هجين وهو الديمقراطية التشاركية بما هو “دمقرطة للديمقراطية” وهو النمط الذي كرسه دستور 2011 لما نصت فصوله 12 و 13 و 14 و 15 على تمكين الجمعيات والمواطنين من المساهمة في قضايا الشأن العام بل وتقديم ملتمسات في مجال التشريع والحق في تقديم عرائض الى السلطات العمومية وهكذا نصت الفقرة 3 من الفصل 12 من الدستور على أنه ” تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام ، والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات والسلطات”كما نص الفصل 13 على إحداث هيئات للتشاور لإشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها وهي مقتضيات واضحة وصريحة في تبنى الدستور للديمقراطية التشاركية التي تستوجب مشاركة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام في إعداد قرارات ومشاريع السلطات العمومية، ولاشك ان إعداد مشروع قانون يتعلق بمهنة أو مهن معينة يستوجب في إطار تلك الديمقراطية تمكين الجمعيات المهنية من المشاركة الفعلية في إعداد تلك القوانين والتوافق بشأنها، وفي استبعاد تلك الجمعيات أو إشراكها بطريقة شكلية والانفراد بوضع النص المعروض للمصادقة دون توافق على المبادئ الكبرى خرق لروح الدستور ومبادئه.
2) إن الفصل 93 من الدستور ينص على أن “الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به وفي إطار التضامن الحكومي”.
وهو ما يعني أن الوزير بصفته عضوا في الحكومة لا ينطلق في إعداد مشاريع القوانين من قناعات شخصية وذاتية بل ينفذ السياسة الحكومية في إطار التضامن الحكومي ، مما يستوجب استبعاد كل ما هو ذاتي في إعداد مشاريع القوانين، احتراما لمبدأ الديمقراطية التشاركية .
3) إن الفصل 29 من الدستور نص على ان ” حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي ، وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمون”، مما لا مجال معه إلى اعتبار ما يلجأ له المهنيون من استعمال حقهم الدستوري للتعبير عن مواقفهم الرافضة لمشاريع القوانين المنظمة لمهنهم من احتجاجات ووقفات وغيرها ليا لذراع أحد لأن فعلهم هو مجرد ممارسة لحقوق دستورية أساسية لا يمكن إلا اعتبار تفعيلها تجسيدا لدولة الحق والقانون.
وختاما فإن أي دستور مهما أسس للمكتسبات الديمقراطية وضمن من حقوق للأفراد والجماعات تبقى فعاليته غير مكتملة في تكريس تلك الحقوق والمكتسبات ما لم تواكبه ممارسة ديمقراطية تتبني مقاربة تشاركية ينخرط فيها جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمهنيين لأننا في حالة عدم تطابق النص مع الممارسة وإتباع نهج الانفرادية سنكون وعلى حد قول ذ/ آلان دونو في كتابه” الأخلاق في عصر التفاهة ” نقلا عن عالم الاجتماع الكندي جاك غروز ميزون قد” نصبنا أنفسنا في ذات الوقت، البوصلة والوجهة ، والمسار والمعنى، وتلكم لعمرنا أروع طريقة لكي نجد أنفسنا منعزلين في العالم وداخل العالم “.
ذ/ عبد السلام الوهابي محام بهيئة المحامين بطنجة







