اعتبر الكثير من المغاربة، وخصوصا متابعي الشأن السياسي، إعلان نهاية المشوار السياسي لرئيس الحكومة، ورجل الأعمال السيد اخنوش، بمثابة مشروع بشرى للمواطنين. جاء الخبر “على غفلة “، وفاجأ من تابع تفاخر حزبه، خلال الشهور الأخيرة، بمنجزات كبرى في كافة المجالات. تعددت اللقاءات الجهوية والمهرجانات الخطابية التي ساهم فيها بالأساس ” أشبال اخنوش “، وخصوصا من حظي منهم بمنصب كبير. تسابقوا على إبداع المدح مع اختلاف في الأوزان والقوافي، وكادت إحدى إطارات الحزب أن تنزلق إلى “الزيادة فيه”، وتستعير زخم أغنية حميد الزاهر “راه مراكش يا سيدي كلو فارح ليك”. تمت فرملة هشاشتها العاطفية من طرف رفاقها، وطوي الحادث الخطابي الذي كاد أن يلهب الحاضرين والحاضرات من ممتهني حضور التجمعات. لم يتوقع أكبر المتفائلين أن يعلن اخنوش عن توقف طموحه السياسي في منتصف الطريق المؤدية إلى حكومة المونديال.
ومثل ما يقع في مثل هذه المواقف، كثرت القراءات، والتحليلات والتعليقات. فمنها ما أثارت تدهور صورة اخنوش جراء كثافة الانتقادات التي انصبت على ما حصل عليه من صفقات كبيرة تجاوزت مبالغها الملايير منذ توليه منصبه العالي، ومنها بالخصوص تلك التي تتعلق بتدهور القوة الشرائية للمواطنين وما صاحبها من منح للاستيراد لفائدة قلة من المستفيدين الدائمين من استيراد للحوم والتجهيزات وغيرها، من كرم يموله المال العام. واستمرت الخرفان والأبقار المستوردة تنطح جيوب المواطنين في أعياد الأضحى، وخلال الشهور والأيام. واستمرت معها حملات إنكار قرب المستوردين من مركز القرار الحكومي. وأقر أمين عام حزب الاستقلال بوجود تضارب المصالح، وأصرت الأغلبية الحكومية على رفض قيام مهمة رقابية عبر لجنة رقابة برلمانية. وظهر بالملموس أن هناك إرادة تعارض كل إصلاح في مجال أسعار المواد الطاقية. وظل سعر البنزين مرتفعا رغم تراجع أسعار البترول. وأصرت الحكومة على عدم الاهتمام بضمان الأمن الطاقي، واستمرت في تجميد وضع ” لاسامير” دون خطاب واضح، ومبررات مقنعة عن إخراج بلادنا من سوق تكرير البترول. وقد كان المغرب من أولى الدول الإفريقية التي دخلت مجال التكرير بإرادة سياسية في بداية الاستقلال مع حكومة الراحل عبد الله إبراهيم. وأكد إرتفاع أحجام إستيراد الطاقة البترولية تزايد إعتماد بلادنا على السوق الخارجية بنسبة 100 في 100. وتزايد حجم استيرادنا من البترول المكرر إلى 250 ألف برميل يوميا. ولا نعرف ماذا قامت به حكومة يقودها كبير المستوردين إذا كانت وسائل التخزين الاستراتيجي تفوق أو تدنو من شهرين من الاستهلاك.
اخنوش يعلن انسحابه من تحمل مسؤولية قيادة حزبه، أو بالأحرى الحزب الذي تم تكليفه بقيادته، كما كان عليه الأمر، لقياداته منذ قرار خلقه سنة 1978. ويعلم كل المتابعين لتاريخ الأحزاب ببلادنا، وخصوصا تلك التي لم يكن لها حضور خلال فترة المطالبة بالاستقلال، ولا بخوضها صراعات من أجل دمقرطة البلاد، أن الدولة كانت لها يد في هندسة خارطة الأحزاب مع بعض الاستثناءات التي فلتت من قبضة تلك اليد . وبدل أن يظهر البديل السياسي، ظهر لفيف من الباحثين عن موقع، ومزايا، ومناصب. ولا يمكن أن نستثني من هذا الواقع وزراء حزب العدالة والتنمية من ” ممارسة حسابات الربح والخسارة ” الشخصية في اتخادهم لقرار التخلي عن الحزب الذي وضعهم في مسؤوليات كبرى، وكان السبب في نقلهم من الغياب إلى الحضور والظهور إلى أن اختاروا الرجوع إلى غياب تحفه امتيازات مفيدة.
و جل هؤلاء يختفون حين يفشلون في بلوغ أهدافهم. وقد توجد بعض الكفاءات التي آمنت بالوعود، والتي تبين لها أن المساهمة في تغيير الواقع تكبحه قوة من يخلطون السياسة بالتجارة والمصالح الشخصية. ولا يجب أن نغفل سؤال الجدوى المالية التي تصاحب التموقع الحكومي. ساد الصمت في صفوف أحزاب الأغلبية، ومعها جزء من المعارضة، حين اصطدم القرار السياسي بحائط الصمت عما يحدث في سوق الصفقات العمومية من تجاوزات. وكادت إحدى زعيمات الحزب الذي يقود الحكومة أن تصلي من أجل من انقذ، في رأيها، الدار البيضاء من العطش. والأمر هنا يتعلق بالمستثمر العارف بكل الأشياء القبلية والبعدية، لما كان يطبخ في مجال التشريع. ولا يقبل أن تقول أحزاب الأغلبية أنها لم تكن تعلم بما جرى في الكواليس التي تصنع القرار وتغض الطرف عن تضارب المصالح. ويجدر بالذكر التذكير بأن ” الساكت عن الحق شيطان أخرس “، وخصوصا من سكنوا البيت الحكومي منذ سنة 2021.
قرار اخنوش لا يمكن أن يغيب عنا بنية السلطة السياسية في بلادنا. ووجب التذكير أن المعارضة الاتحادية قد قررت الإنسحاب من البرلمان بعد أحداث يونيو 1981 .و لكن الدولة فرضت على برلمانيي الإتحاد الاشتراكي، حين كان ذا قوة بالفعل والحضور والتواجد في قلب المجتمع، الرجوع إلى مقاعد البرلمان ” وقلبها مطمئن بنور الإيمان بالنضال “. فقرار الحضور لا يمكن فصله عن قرار الغياب. سارعت كثير من المنابر إلى ربط الأمر بمستوى ” سخط شعبي” على الواقع الإجتماعي الذي لا زال يتسم بهشاشة فئات إجتماعية عريضة أمام الأسعار، وأمام الولوج إلى العلاجات وإلى التعليم. ولا يمكن أن ننسى أن اخنوش قد تجاوز قيادات حزبه حين فضل اللجوء إلى أطر شركاته لمواجهة معضلات التعليم والصحة وكافة الملفات الإجتماعية. ولا زال المغاربة ينتظرون تلك المعجزات التي وعدت بتحقيقها فرقة ” أكوا ” خارج دائرة خلط السياسة بالتجارة.
و سيطرح السؤال الكبير، والمتعلق بقدرة من تحالفوا مع اخنوش على مواجهة الاستحقاقات القادمة. سكتوا لسنوات عن هجمة لأصحاب المال على قطاعيي الصحة والتعليم. صمتوا كثيرا أمام ضعف مواجهة الاثراء غير المشروع، وهاجموا مؤسسات المجتمع المدني المناهضة للرشوة. وتنكر بعضهم لتاريخه، وأخص بالذكر حزب الاستقلال الذي لم ينتبه لحق العمال في الدفاع عن حقوقهم، وإختار أن يساهم في اضعاف جمعيات حقوق الإنسان عبر منعها من الترافع في القضايا التي تهم الرشوة وإستغلال النفوذ. وتعتبر هذه الفترة، من حياة حزب كبير، انتكاسة سياسية لا ترضي أغلبية الاستقلاليين.
و يمكن القول، لتلخيص واقع ممارسة السياسة ببلادنا، أن جزءا من مؤسساتنا السياسية اوهمت نفسها أنها تعيش حاليا لتدبير مرحلة انتقالية. وحين ثبت لديها أن الدولة لا تتأثر بالحضور والغياب، عرفت حجمها الحقيقي وحجم المساءلة التي تنتظرها بعد أن قدمت وعودا كبيرة في مجالات التشغيل، والقدرة الشرائية، وإصلاح منظومة العدالة، وتقوية أساليب الحكامة. لا يمكن التكهن بمستقبل التدبير الحكومي خلال الفترة المقبلة بالنظر إلى واقع المنظومة الحزبية لبلادنا. ولا يمكن أن نغفل أن للدولة من الوسائل ما يمكنها من تقييم حقيقي للحالة التي يوجد عليها الرأي العام. ولقد سبق لقياديين من الأغلبية ومن المعارضة أن عبروا عن تخوفهم من تراجع نسبة المشاركة، الضعيف أصلا، في الانتخابات المقبلة. عشنا لحظات مع جيل ” زيد” وقبله مع شباب ” الربيع العربي”، وتبين بالفعل أن الحكومات المتعاقبة لم تمتلك الشجاعة الكافية لمحاربة عوائق التنمية والعدالة الإجتماعية. لا زال واقعنا ينخره اقتصاد الريع، والرشوة والاثراء غير المشروع، وتسلط المنتفعين، والأغنياء بفعل موقعهم على خريطة الانتخابات. سيرحل اخنوش دون محاسبة، وسيستمر مسار تدبير الشأن العام رهينة لدى من يعيقون تنزيل مضامين الدستور المرتبطة بربط المسؤولية بالمحاسبة. تمنيت لو أن المندوبية السامية للتخطيط قامت، أو تنوي أن تقوم بدراسة حول علاقة ممارسة السياسة وتدبير الشأن العام بمؤشر الاغتناء ببلادنا.
لا أمل في كشف الأوراق كلها. ولا أمل في غرس الثقة في قلوب المغاربة الذين لا تهمهم المؤشرات الماكرواقصادية، ولا يعرفون إلا ما يواجهونه يوميا في سوق الخضر والفواكه واللحوم، وما يقهرهم من عوز أمام الولوج إلى العلاجات. قال بعض ” العارفين” بالكواليس ” التي تكاد تغرق في التنبؤ بالغيب، أن اخنوش لن يغيب إلا تكتيكيا. ستظل قاعدة التدبير المالي والاقتصادي لأصحاب المجموعات المالية ” الهولدينغ” صاحبة التأثير على مواقع القرار. فسواء رحل أو تراجع عن ” نيته”، سيظل اخنوش مؤثرا، بشكل كبيرا على من نصبهم في مراكز القرار، والذين لا يمكنهم ” عض اليد ” التي مدت إليهم. فليرحل أو فليستمر، فالمغاربة متمسكون بقضاياهم رغم عنف أصحاب المصالح الخاصة الكبرى، لأنهم موقنون أن مفاتيح المحافظة على السلم الاجتماعي في يدهم. ولأنهم في الأول والآخر مواطنو دولة لها من الوجود أكثر من 12 قرنا من الزمن، ولها من التحديات ما يجعلها تستثمر في تحصينها من أفعال من يحاولون ايذاءها. وستظل التخمينات حول من سيقود الحكومة ثانوية بالمقارنة مع ما يفصل بلادنا من مسافة للولوج إلى صف الإقتصاد ات الصاعدة.







