في الوقت الذي تجر فيه خلفها شركة “اليابان توباكو إنترناشيونال” (JTI) سجلاً مثقلاً بالملفات القضائية والاتهامات المرتبطة بالأضرار الصحية لصناعة التبغ عالمياً، وتحديداً القضية التاريخية في كندا ضد فرعها JTI-Macdonald، تواصل المجموعة توسيع حضورها داخل السوق المغربية، في مسار يثير تحفظات وتحذيرات متزايدة من فاعلين صحيين وحقوقيين يعتبرون أن هذا التوسع يتم في بيئة ما تزال تعاني هشاشة في سياسات الوقاية من التدخين وضعف أدوات الردع الصحية.
في هذا السياق، رفعت الشركة عبر فرعها بالمغرب “JTI Maroc” رأسمالها من حوالي 484,7 مليون درهم إلى ما يقارب 819,7 مليون درهم، في عملية مالية وُثقت رسمياً لدى المحكمة التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 23 يناير 2026. الزيادة تمت عبر إصدار أكثر من 3,3 ملايين سهم جديد بقيمة اسمية بلغت 100 درهم للسهم، اكتتبت فيها الشركة الأم “JT International Holding B.V” بشكل كامل، عبر آلية المقاصة مع ديون مستحقة ومثبتة، ما يعكس توجهاً لإعادة ترتيب البنية المالية الداخلية للمجموعة أكثر مما يعكس استثماراً مباشراً جديداً موجهاً للاقتصاد المحلي.
واعتبرت المصادر، أن هذا النوع من العمليات لا يمكن فصله عن استراتيجية توسع أشمل تعتمدها المجموعة في المنطقة، تقوم على تقوية الفروع المحلية مالياً، وتحويلها إلى منصات إنتاج وتصدير، في وقت تعرف فيه أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية تضييقاً متزايداً على صناعة التبغ بفعل القوانين الصارمة والضرائب المرتفعة وسياسات الصحة العمومية.
ويأتي هذا التطور المالي متزامناً مع دخول الوحدة الصناعية الجديدة للشركة بمدينة تطوان حيز الخدمة، بعد استثمار فاق 900 مليون درهم، استغرق إنجازه نحو 18 شهراً. الوحدة الجديدة بطاقة إنتاجية تصل إلى حوالي 5 مليارات سيجارة سنوياً، موجهة لتزويد السوق المغربية، إضافة إلى أسواق إفريقيا الغربية، ما يعكس بوضوح تحول المغرب إلى قاعدة إنتاج إقليمية داخل استراتيجية المجموعة.
غير أن هذا التوسع يطرح، بحسب فاعلين في المجتمع المدني ومختصين في الصحة العمومية، أسئلة محرجة حول التوازن بين منطق الاستثمار الصناعي من جهة، والانعكاسات الصحية والاجتماعية من جهة أخرى، خاصة في ظل الأرقام المرتفعة لاستهلاك التبغ، وكلفة الأمراض المرتبطة به على المنظومة الصحية، وضعف حملات التحسيس والوقاية مقارنة بحجم انتشار هذه المنتجات.
وتشير المصادر إلى أن تمدد شركات التبغ في أسواق الجنوب، ومنها المغرب، لا ينفصل عن تضييق الخناق عليها في الشمال، ما يجعل هذه الأسواق مجالاً بديلاً لتصريف الإنتاج وتوسيع النفوذ التجاري، في غياب ضغط مؤسساتي قوي يوازن بين جذب الاستثمار وحماية الصحة العامة.
هكذا، وبينما تواصل JTI تعزيز بنيتها المالية والصناعية داخل المغرب، يتعزز في المقابل منسوب القلق من مسار توسع يتم في قطاع شديد الحساسية، محمّل بتاريخ ثقيل من النزاعات القضائية عالمياً، وأسئلة أخلاقية وصحية محلية ما تزال دون أجوبة واضحة، في ظل واقع يضع الاستثمار في مواجهة مباشرة مع كلفة اجتماعية وصحية صامتة.







