بعد نهاية المرحلة الأولى من الموسم الدراسي، عاد تدريس اللغة الأمازيغية بمدارس “الريادة” إلى واجهة النقاش التربوي بإقليم تارودانت، وسط حديث متزايد داخل الأوساط التعليمية عن ارتباك في التنزيل واختلالات تمس التنظيم البيداغوجي والمهني.
وتشير معطيات متقاطعة من داخل مؤسسات التعليم الابتدائي إلى أن إدماج الأمازيغية في هذا المشروع لم يسر بالوتيرة المعلنة، وأن الأساتذة وجدوا أنفسهم أمام قرارات متغيرة واجتهادات غير موحدة، انعكست مباشرة على شروط العمل وجودة التعلمات.
وتفيد نفس المعطيات بأن عددا من أساتذة المادة عاشوا، في مستهل السنة الدراسية، وضعية فراغ مهني امتدت لأسابيع، حيث طُلب منهم الحضور اليومي إلى المؤسسات دون استعمالات زمن واضحة أو مهام محددة، بالتزامن مع اعتماد مقاربة “TaRL” الخاصة بمواد أخرى. هذا الوضع خلق، حسب مصادر تربوية، إحساسا بالإقصاء داخل الطاقم التعليمي، وألقى بظلاله على الاستقرار النفسي والمهني للأساتذة المعنيين، خاصة في ظل غياب فضاءات لائقة للاشتغال داخل بعض المدارس.
وفي سياق متصل، أُدرجت اللغة الأمازيغية ضمن تكوينات مرتبطة بمشروع المدرسة الرائدة، غير أن هذه التكوينات، التي لم تتجاوز ثلاثة أيام، وُصفت من قبل مشاركين فيها بأنها عامة ومرتبكة، ولم تراع خصوصيات المادة ولا حاجيات مدرسيها، ما حدّ من أثرها العملي داخل الفصول الدراسية. كما برزت، مع انطلاق التدريس الفعلي، إشكالات مرتبطة باستعمالات الزمن، حيث سُجل تباين واضح بين المؤسسات والمديريات في تحديد الحصص، وفرض صيغ زمنية تقلص المدة القانونية المخصصة للمادة، في تعارض مع المذكرات الوزارية المنظمة.
هذه الأوضاع تزامنت مع إلزام الأساتذة بتمرير روائز فردية لعدد كبير من التلاميذ في ظروف وُصفت بالمرهقة، دون أن يواكب ذلك إطار تنظيمي واضح أو استثمار فعلي لنتائج هذه العمليات داخل منظومة “مسار”. وهو ما اعتبره مهتمون بالشأن التربوي جهدا شكليا استنزف الزمن والطاقات، دون أن ينعكس على تتبع التعلمات أو دعمها.
في هذا السياق، أصدرت لجنة أستاذات وأساتذة اللغة الأمازيغية المنضوية تحت لواء النقابة الوطنية للتعليم (كدش) بتارودانت بيانا استنكاريا، نبهت فيه إلى ما اعتبرته اختلالات بنيوية رافقت إدماج الأمازيغية في مشروع المدرسة الرائدة، مؤكدة أن ما جرى تم في غياب رؤية واضحة وتخطيط مسبق وإشراك فعلي للفاعلين المتخصصين. البيان، الذي جاء بعد رصد ميداني داخل المؤسسات، تحدث عن قرارات مرتجلة واجتهادات فردية أثرت على مكانة المادة داخل المنظومة التعليمية.
وأشار المصدر ذاته إلى تأخر في تمكين الأساتذة من العدة الرقمية المخصصة لهم، وتعويضها أحيانا بحواسيب قديمة، إضافة إلى الغياب التام للكراسات الداعمة الخاصة باللغة الأمازيغية، رغم الوعود السابقة. كما سجل غياب المواكبة والتأطير، في ظل عدم تعيين مفتشين متخصصين أو مكلفين رسميا بتتبع تدريس المادة، ما اضطر الأساتذة إلى الاعتماد على مجهوداتهم الفردية لضمان استمرارية الدروس.
أما على مستوى التقويم والمراقبة المستمرة، فقد عرفت المرحلة الأولى، بحسب نفس البيان، تدبيرا وُصف بالارتجالي، من خلال اعتماد ملفات كفايات غير مدمجة في “مسار”، وفرض امتحانات قصيرة تُجرى لعدة أفواج في وقت واحد، مع تحميل الأستاذ مسؤولية تنظيمية ولوجستيكية مضاعفة، ما حول عملية التقويم من أداة بيداغوجية إلى عبء إضافي.
وأمام هذه المعطيات، عبرت اللجنة عن رفضها لما سمته الارتجال في تدبير تدريس اللغة الأمازيغية داخل مشروع المدرسة الرائدة، منددة بالخروقات التي تطال الغلاف الزمني القانوني واستعمالات الزمن.
كما دعت إلى توفير تكوينات حقيقية ومواكبة ميدانية تراعي خصوصيات المادة، وتعيين مفتشين متخصصين، وتمكين الأساتذة من الوسائل الضرورية في آجال معقولة، إلى جانب اعتماد تقويمات منسجمة مع الزمن الفعلي للتعلمات، وإدماج فعلي للأمازيغية داخل منظومة “مسار”، بما يضمن حق المتعلمين في تعليم لغوي منصف ويحفظ مكانة اللغة داخل المدرسة العمومية.







