أثارت وتيرة تقدم مشروع ميناء “ناظور غرب المتوسط” موجة قلق متزايدة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية في مدينة مليلية المحتلة، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، التي تحدثت عن مخاوف حقيقية من تداعيات هذا الورش الاستراتيجي المغربي على مستقبل المدينة الواقعة شمال شرق المملكة.
ومن المرتقب أن يدخل المركب المينائي ناظور غرب المتوسط حيز الخدمة مع نهاية سنة 2026، بعد استثمارات ضخمة تناهز 4,7 مليارات أورو، في مشروع تراهن عليه الرباط لتكريس موقعها كقطب لوجستي وطاقي جديد في غرب المتوسط، على غرار التجربة التي راكمها ميناء طنجة المتوسط. هذا التطور، بحسب الصحافة الإسبانية، يُنظر إليه في مليلية ليس فقط كمنافس اقتصادي، بل كتحول استراتيجي قد يعمّق عزلة المدينة ويقوض ما تبقى من أنشطتها التجارية.
وتنقل التقارير عن مسؤولين محليين في مليلية انتقادات حادة لما وصفوه بغياب رد فعل جدي من طرف الحكومة الإسبانية، في وقت يسرّع فيه المغرب من إنجاز بنيات تحتية كبرى، تشمل تجهيزات مينائية حديثة ومحطة للغاز الطبيعي المسال، هي الأولى من نوعها بالمملكة، بما يعزز سيادتها الطاقية وقدرتها على استقطاب الاستثمارات الصناعية واللوجستية.
وترى هذه الأوساط أن الفجوة تتسع بين الضفتين، إذ بينما تشهد أقاليم الريف، خاصة محيط الناظور، دينامية استثمارية متسارعة مدفوعة بميناء ناظور غرب المتوسط والمنطقة الصناعية المرتبطة به، تعاني مليلية من جمود اقتصادي تفاقم منذ إغلاق الجمارك التجارية سنة 2018، دون أفق واضح لإعادة فتحها، رغم الإشارات السياسية التي رافقت تحسن العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن توقف الجمارك التجارية، إلى جانب غياب رؤية قانونية واضحة وجدول زمني محدد، أدى إلى إغلاق عدد كبير من المحلات وتراجع قطاعات كانت تشكل عماد الاقتصاد المحلي للمدينة. ويزيد من حدة هذا الوضع، وفق الإعلام الإسباني، إلغاء استثمارات كانت مبرمجة لتوسعة ميناء مليلية، مقابل تسارع وتيرة الأشغال في الجانب المغربي.
وتبرز المقارنة، كما توردها التقارير الإسبانية، تباينا لافتا في الخيارات الاستراتيجية، حيث يعزز المغرب موقعه كمحور لوجستي وطاقي إقليمي عبر بنى تحتية قادرة على معالجة ملايين الحاويات سنويا واستقبال مشاريع صناعية كبرى، في حين لا تزال مليلية تعتمد على منشآت محدودة وإمكانات طاقية تقليدية، مع تراجع جاذبيتها الاستثمارية.
وفي مواجهة هذا التحول، تحاول سلطات مليلية المحتلة الدفع في اتجاه إعادة تموقع اقتصادي يقوم على الخدمات والسياحة البحرية والتكنولوجيا، غير أن هذه الرهانات، بحسب تعبير مسؤولين محليين نقلتهم وسائل إعلام إسبانية، تظل رهينة بدعم أقوى من مدريد وبمرافعة فعالة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في ظل ما يعتبرونه تضييقا متزايدا ناتجا عن صرامة العبور الحدودي وصعود القوة الاقتصادية للمغرب.
وتخلص المصادر ذاتها إلى أن مشروع ناظور غرب المتوسط لا يُقرأ فقط كميناء جديد، بل كعامل قد يعيد رسم التوازنات الاقتصادية في غرب المتوسط، ويفرض واقعا جديدا على المدن المجاورة، وفي مقدمتها مليلية، التي بات مستقبلها الاقتصادي، وفق هذا الطرح، معلقا بمدى قدرتها على الاندماج في الفضاء الأوروبي لمواجهة التحولات الجارية على حدودها الجنوبية.







