في وقت لم يكد فيه الجدل يهدأ حول صفقة الإيواء والإطعام بقطاع الصحة في جهة درعة-تافيلالت، عاد ملف الصفقات ليفتح من جديد، وهذه المرة بسبب طلب عروض أطلقته المديرية الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، يهم خدمات جمع ومعالجة وتصبين ملابس المستشفيات التابعة لها على صعيد الجهة.
وبحسب إعلان طلب العروض رقم 69/2025، رُصد لهذه الصفقة غلاف مالي تقديري يتراوح ما بين ستة ملايين درهم وعشرة ملايين وخمسمائة ألف درهم، أي ما بين 600 مليون سنتيم وأكثر من مليار سنتيم، على أن يتم فتح الأظرفة يوم 16 مارس 2026.
وتتعلق الصفقة بإنجاز خدمات التصبين لفائدة مجموع المؤسسات الاستشفائية الخاضعة للمديرية الجهوية، في إطار صفقة إطار من حصة واحدة، وهو ما أعاد، وفق مصادر مهنية من داخل القطاع الصحي بالجهة، النقاش حول منطق تدبير هذا النوع من الخدمات، وحول خلفيات اعتماد صيغة مركزة على مستوى المديرية الجهوية بدل إسنادها بشكل مباشر إلى المؤسسات المعنية.
وتؤكد المصادر أن الاستغراب لا ينحصر في الطابع المركزي للصفقة فقط، بل يمتد أساسا إلى حجم الغلاف المالي المرصود لها، الذي تصفه بـ«المرتفع بشكل غير مبرر»، خاصة عند مقارنته بصفقات مماثلة أنجزتها مؤسسات استشفائية كبرى في مدن أخرى.
وفي هذا السياق، تستحضر المصادر صفقة التصبين التي أطلقها المركز الاستشفائي الإقليمي بمكناس، المشرف على شبكة تضم خمسة مستشفيات كبرى، هي مستشفى محمد الخامس، ومستشفى سيدي سعيد، ومستشفى التخصصات مولاي إسماعيل، ومستشفى الأم والطفل بانيو، إضافة إلى المركز الجهوي للأنكولوجيا، مؤكدة أن صفقة مكناس، التي فُتحت أظرفتها خلال شهر يونيو الماضي، لم تتجاوز كلفتها، بحسب المعطيات المتوفرة لديها، 34 مليون سنتيم.
وتضيف المصادر أن الفارق الكبير بين الرقمين يطرح علامات استفهام جدية حول المعايير المعتمدة في تحديد الكلفة التقديرية لصفقة درعة-تافيلالت، وحول ما إذا كانت هذه التقديرات تستند إلى حجم الاستهلاك الفعلي للألبسة والأغطية الطبية، وعدد الأسرّة، ومعدل دوران المرضى، وطبيعة الأنشطة العلاجية، أم أنها بنيت على تقديرات عامة لا تعكس بدقة الحاجيات الحقيقية للمؤسسات الصحية بالجهة.
كما تنتقد المصادر ما تصفه بـ«مركزة خدمات التصبين» لدى المديرية الجهوية، معتبرة أن هذا التوجه يمس باختصاصات كل من المركز الاستشفائي الجهوي والمراكز الاستشفائية الإقليمية، التي يفترض، بحسبها، أن تتولى تدبير هذا النوع من الصفقات بشكل مستقل، انسجاما مع منطق القرب والتدبير المباشر للخدمات المرتبطة بالسير اليومي للمستشفيات.
وتحذر المصادر، في المقابل، من أن الطابع الجغرافي الخاص لجهة درعة-تافيلالت، واتساع رقعتها الترابية، وتباعد مؤسساتها الاستشفائية، يطرح تحديات عملية حقيقية أمام أي متعهد سيتولى تدبير خدمات التصبين على مستوى الجهة بأكملها، سواء من حيث لوجستيك النقل واحترام آجال التسليم، أو من حيث الالتزام الصارم بمعايير النظافة والسلامة الصحية، التي تشكل عنصرا حاسما في الوقاية من العدوى داخل المؤسسات الاستشفائية.
ولأخذ وجهة نظر الإدارة بشأن هذه الانتقادات، وخلفيات اعتماد هذا التوجه، والأسس التي جرى على أساسها تحديد الغلاف المالي للصفقة، تواصل موقع «نيشان» هاتفيا مع المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة درعة-تافيلالت، وتم إطلاعها على مختلف المؤاخذات المثارة في هذا الملف.
غير أنه، وبعد طلب مهلة من طرف المديرية الجهوية لتجميع الأجوبة وتقديم التوضيحات اللازمة، لم يتوصل الموقع بأي رد إلى حدود لحظة نشر هذا الخبر، رغم مرور أزيد من 24 ساعة على الاتصال بها.
درعة تافيلالت… صفقة “الترف الغذائي” تشعل الغضب في جهة بلا أطباء







