في الوقت الذي ترزح فيه جهة درعة تافيلالت تحت وطأة خصاص صحي خانق، ونقص حاد في الأطباء، وغياب أبسط التجهيزات والمواد الحيوية داخل المراكز والمستشفيات، فوجئ الرأي العام المحلي بإعلان المديرية الجهوية للصحة عن صفقة جديدة للإيواء والإطعام يُرتقب أن تتجاوز كلفتها مليوناً و150 ألف درهم (أي أزيد من 100 مليون سنتيم)، في خطوة وصفتها مصادر مهنية بـ”العبث التدبيري” و”ترفٍ مستفز” في واحدة من أكثر الجهات هشاشة على المستوى الصحي.
فالمديرية الجهوية، التي تعجز منذ سنوات عن توفير الأمصال المضادة للسعات العقارب والأفاعي في نحو 90% من المراكز الصحية القروية، أطلقت طلب عروض رقم 65/2025، المقرر فتح أظرفته في 31 دجنبر الجاري، بميزانية تتراوح بين 446 ألفاً و600 درهم و1.151.260 درهماً مع ضمان مؤقت بقيمة 23 ألف درهم. غير أن ما فجّر موجة الاستياء، وفق مصادر مهنية مطلعة، هو مضامين دفتر التحملات الذي بدا “منفصلاً تماماً عن واقع القطاع” و”يعكس أولويات لا تمت بصلة إلى حاجيات المواطنين الملحّة”.
دفتر التحملات الذي اطلع عليه نيشان، يتحدث عن “فطور مغربي متكامل” يضم مشتقات الحليب والملوي والعصائر والحلويات التقليدية، و”غداء” لما بين 1500 و3000 حصة يتضمن 3 كيلوغرامات من اللحوم لكل واحدة، إضافة إلى فواكه موسمية ومشروبات غازية ومياه معدنية بكميات اعتبرها المهنيون “أقرب إلى ضيافة المنتديات الفاخرة منها إلى متطلبات نشاط إداري داخل قطاع مأزوم”. كما يتضمن سندويتشات باللحم المفروم مرفوقة بعصائر وليمونادا وفواكه موسمية، فضلاً عن “بوز كافي” يشمل القهوة والشاي وعصائر البرتقال والأفوكادو والحلويات.
وأكدت المصادر ذاتها أن هذه الصفقة “تمثل إهانة لشغيلة صحية تكافح يومياً وسط ظروف لا تليق بأي مرفق عمومي”، مشيرة إلى أن عدداً من المراكز الصحية بالجهة يفتقر إلى الماء والكهرباء، فيما تعاني مستشفياتها من أعطاب مستمرة في التجهيزات الأساسية، ومن خصاص غير مسبوق في الموارد البشرية، إلى حدّ أن الجهة فشلت في آخر مباريات التوظيف في استقطاب طبيب واحد.
وتضيف المصادر أن “من غير المقبول أن تُصرف ميزانيات بهذا الحجم على اللحوم والفواكه والمشروبات، فيما يعيش المرضى معاناة يومية للحصول على خدمة بسيطة”. وترى أصوات مهنية أن توقيت الصفقة يزيد من حدة التساؤلات، خصوصاً أنها تأتي بعد سلسلة تقارير قاتمة حول وضع المنظومة الصحية بالجهة، وبعد احتجاجات متواصلة للأطر التي دقت مراراً ناقوس الخطر بشأن انهيار الخدمات، وضعف الحكامة، وغياب رؤية إصلاحية واضحة.







