مع اقتراب العدّ العكسي لاستحقاقات 2026، وجّه إدريس الأزمي الإدريسي رسائل مباشرة إلى الأغلبية الحكومية، داعيا إلى انتخابات تقطع مع ما وصفه بـ “تضارب المصالح واستغلال النفوذ والحزبية الضيقة”، في مؤشر واضح على أن حزب العدالة والتنمية قرر المرور إلى السرعة القصوى في التحضير لمعركة انتخابية يعتبرها محطة مفصلية في مسار عودته إلى الواجهة.
الأزمي، الذي يشغل مهمة النائب الأول للأمين العام للحزب، قال خلال تقديمه التقرير السياسي للأمانة العامة أمام المجلس الوطني المنعقد ببوزنيقة، إن السنة الجارية ليست مجرد نهاية لولاية حكومة 8 شتنبر 2021، بل موعد سياسي ينتظره المواطنون بترقب، باعتباره سيحسم في مآلات تجربة حكومية طبعت المشهد منذ الانتخابات التي قلبت موازين القوى وأخرجت “المصباح” من قيادة المشهد إلى موقع المعارضة بعد هزيمة قاسية في اقتراع 2021.
القيادي البارز في العدالة والتنمية وضع استحقاقات 2026 في سياق ما اعتبره حالة “انتظارية واحتقان” وسمت أداء الأغلبية الحالية وعددا من الجماعات الترابية المنبثقة عن انتخابات 8 شتنبر، معتبرا أن المرحلة تقتضي دورة ديمقراطية جديدة تعيد للسياسة جدواها وللمؤسسات المنتخبة مكانتها، وتنهي مظاهر توظيف النفوذ وتداخل المصالح في تدبير الشأن العام.
خطاب الأزمي عكس تحولا في نبرة الحزب الذي خرج من انتخابات 2021 بخسارة غير مسبوقة، بعدما كان يقود الحكومة لولايتين متتاليتين. ومنذ المؤتمر الوطني التاسع المنعقد في أبريل 2025، والذي صادق على أطروحة سياسية جديدة، يعمل الحزب على إعادة ترتيب بيته الداخلي واستعادة موقعه كقوة اقتراحية، مستثمرا موقعه في المعارضة لإعادة بناء الثقة مع قواعده وناخبيه التقليديين.
وأكد الأزمي أن الحزب مطالب اليوم برفع جاهزيته السياسية والتنظيمية، ومواصلة “التدافع” من داخل المؤسسات بدل الارتهان لما سماه سياسة المقعد الفارغ أو الانتظارية، معتبرا أن الانسحاب يفسح المجال أمام شبكات الريع والفساد لتكريس مواقعها. وفي هذا السياق، شدد على ضرورة توفير الشروط القانونية والمؤسساتية والإدارية الكفيلة بضمان نزاهة وشفافية الانتخابات المقبلة، بما يفرز مؤسسات ذات شرعية ومصداقية، ويعزز صلاحياتها في الرقابة والتدبير.
الرسالة الأبرز في مداخلة الأزمي تمثلت في الربط بين ضعف الثقة في السياسة واتساع رقعة العزوف الانتخابي، معتبرا أن استمرار مظاهر شراء الأصوات والمتاجرة بالعملية الانتخابية يقوض أي أفق لإصلاح ديمقراطي حقيقي. ودعا إلى بث “نَفَس سياسي وحقوقي جديد” يعيد الاعتبار للمشاركة الحزبية ويقوي الشعور بالانتماء ويجدد الأمل في جدوى العمل السياسي.
وتوحي تحركات العدالة والتنمية في هذه المرحلة بأن الحزب يسعى إلى تحويل انتخابات 2026 إلى معركة “وجود”، أكثر من كونها مجرد تنافس. فبعد التقهقر الذي عرفه في 2021، يبدو أن قيادة الحزب تراهن على خطاب أخلاقي–سياسي يستهدف استعادة جزء من القاعدة الناخبة التي عاقبته قبل خمس سنوات، وعلى إعادة تموقعه كمعارض رئيسي في مواجهة الأغلبية الحالية.
ومع دخول الولاية الحكومية سنتها الأخيرة، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة “المصباح” على ترجمة هذا الخطاب إلى تعبئة ميدانية وتنظيمية قادرة على قلب المعادلة التي أفرزتها انتخابات 8 شتنبر، في مشهد سياسي يتجه تدريجيا نحو تسخين مبكر، عنوانه الأبرز: من يربح رهان الثقة في 2026؟.







