بعد أقل من عامين على إتمام مجموعة “سهام” المملوكة لرجل الأعمال مولاي حفيظ العلمي صفقة استحواذها على 57.67 في المائة من رأسمال “الشركة العامة المغربية للأبناك” وذراع التأمين التابعة لها من المجموعة الفرنسية “سوسيتي جنرال”، في عملية قُدّرت بنحو 745 مليون يورو، تتسارع مؤشرات الانسحاب التدريجي للمجموعة البنكية الفرنسية من أسواق إفريقية جديدة، وهذه المرة من موريتانيا، حيث جرى تفويت فرعها المحلي بشكل نهائي لتحالف مستثمرين أعادوا إطلاقه تحت اسم “البنك الدولي للاستثمار”.
ويعزز المعطى الجديد قراءة أوسع داخل الأوساط المالية المغربية مفادها أن ما جرى في الرباط والدار البيضاء لم يكن معزولا، بل جزءا من إعادة تموقع استراتيجي شامل تعتمده المجموعة الفرنسية بالقارة، يقوم على تقليص حضورها المباشر في عدد من الأسواق التي لم تعد تحقق نفس مستويات العائد أو التي تتطلب استثمارات ثقيلة لمواكبة التحولات الرقمية والتنظيمية المتسارعة.
تفويت الفرع الموريتاني، الذي ظل حاضرا لأكثر من عشرين سنة في السوق المحلية، تم وفق مصادر مصرفية متابعة للملف بعد مفاوضات امتدت لأشهر، وشملت ترتيبات مالية وتنظيمية معقدة، خصوصا ما يتعلق بنقل المحافظ الائتمانية وضمان استمرارية خدمات الزبناء من شركات ومؤسسات عاملة في قطاعات المعادن والطاقة والصيد البحري. ويضم التحالف المشتري مستثمرين موريتانيين ورؤوس أموال إقليمية، مع توجه معلن لإعادة توجيه نشاط المؤسسة نحو تمويل الاستثمار والمشاريع الكبرى بدل التركيز الحصري على الخدمات البنكية الكلاسيكية.
وتأتي هذه العملية في سياق إقليمي يتسم بصعود فاعلين ماليين محليين وإقليميين لملء الفراغ الذي تتركه البنوك الأوروبية المنسحبة، وهو المسار نفسه الذي أفرز بالمغرب ميلاد “سهام بنك” سنة 2025 بعد ستة أشهر من استكمال صفقة الاستحواذ، في خطوة اعتُبرت حينها مؤشرا على انتقال مراكز القرار المالي تدريجيا إلى فاعلين وطنيين.
وترى مصادر مهنية مغربية أن تكرار السيناريو في أكثر من بلد إفريقي يفتح شهية مجموعات استثمارية مغربية للتوسع جنوبا، مستفيدة من الخبرة التراكمية التي راكمها القطاع البنكي المغربي في القارة خلال العقدين الأخيرين، سواء عبر الأبناك التجارية أو شركات التأمين والخدمات المالية. كما أن التحولات الجارية قد تخلق فرص شراكات جديدة، خاصة في ظل الطفرة الاستثمارية المرتقبة في موريتانيا المرتبطة بمشاريع الغاز والبنيات التحتية.
في المقابل، تطرح دوائر مالية تساؤلات حول قدرة المؤسسات الجديدة، بعد خروج المجموعات الأوروبية، على الحفاظ على نفس مستويات الربط المالي الدولي وخطوط التمويل الخارجية، غير أن المعطيات الأولية تفيد بأن التحالف المالك للبنك الجديد يراهن على بناء شراكات مع بنوك مراسلة دولية، إلى جانب استثمارات مرتقبة في الرقمنة وتوسيع العرض التمويلي الموجه للمقاولات.
وبينما تطوي “سوسيتي جنرال” صفحة حضورها المباشر في نواكشوط، كما فعلت جزئيا في الرباط، يتأكد أن الخريطة البنكية في غرب إفريقيا بصدد إعادة تشكل هادئة، عنوانها الأبرز صعود الرساميل الإقليمية وتراجع النفوذ المالي الأوروبي التقليدي، في تحول يراقبه الفاعل المالي المغربي عن كثب لما يحمله من رهانات توسع وفرص تموقع جديدة.







