الاختراع المغربي الأكثر عبقرية في العقود الأخيرة هو “المحلبة”، لا يقدّر قيمته إلا من يوجد في الغربة، حيث لا “حرشة” ولا “ملوي” ولا نصف خبزة مع البيض و”الكاشير” و”الفروماج” الأحمر، ولا “رايب” بالسيرو” ولا كأس “فَرْوي” بقبته الشهية، ولا “زعزع” الذي يزعزع عقيدة مسلم، ولا “أڤوكا” ولا “باناشي”… وبالمناسبة، إذا جلستَ يوما في مقهى فرنسي إياك أن تقول للنادل أريد “پاناشي”، لأن “الپاناشي” الإفرنجي لا علاقة له بعصير الفواكه، بل مزيج من الجعة والليمونادا بنكهة الخوخ، أعزك الله !
هناك طبعا في أوروبا أماكن غير محسوبة على الغربة، الدخلاء فيها هم “الگور” وليس المهاجرون، الذين استوطنوا ودقوا الأوتاد، واستنسخوا ثقافتهم، ونشروا أرجلهم ونمط عيشهم، نكاية في الاتحاد الأوربي واليمين المتطرف و”الإستبدال الكبير”. في هذه المناطق المدهشة يوجد كل شيء : محلبات وقيساريات وبائعو خردة و”شفانجية” و”عطارة” وحمامات خاصة بالرجال نهارا وبالنساء ليلا…. في ضواحي باريس ووسط بروكسيل -مثلا- هناك أحياء بكاملها لا تختلف في شيء عن يعقوب المنصور أو حي الفرح أو غيرهما من الأماكن الشعبية في المدن المغربية. المحلات تشبه نظيراتها في البلاد، والناس لا يتحدثون الا بالعربية أو الأمازيغية، وكل ما تشتهيه متوفر وبأسعار في المتناول، لا تحس أنك في أوروبا الا عندما تكتشف أن الدفع بالأورو وليس بالدرهم !
عندما كنا طلابا في باريس، لم تكن وسائل التواصل الحديثة منتشرة كما هي اليوم، وكنا نحس فعلا أننا في المنفى، لحسن الحظ أن “دار المغرب” كانت تخفف من غربتنا. مغرب صغير في قلب الدائرة الرابعة عشرة. كانت حشود غفيرة تحتشد أمام “البيت المغربي” كل جمعة، كي تأكل أحسن كسكس في العاصمة الفرنسية، وكنت تستطيع أن تشرب الشاي المنعنع في أي وقت، وأن تلعب “الروندا” و”الرامي” وتثرثر بالعربية حتى الساعات الأولى من الصباح.
لن أنسى حين جاءت بنت أختي الصغيرة في عطلة مع أبويها، لم يكن عمرها يتجاوز خمس سنوات وغالبها النوم، بينما والداها يتجولان بين معالم العاصمة، فأخذتها معي الى “دار المغرب” كي تنام. عندما استيقظت بعد العصر، أنزلتها الى “الكافيتيريا”، حيث وجدنا الطلاب يحتسون الشاي ويفتكون ب”الملوي” ومشتقاته ويقهقهون أمام احد “السيتكومات” على “دوزيم”. أصيبت الطفلة بالدهشة، خصوصا أن الجميع كان يلاعبها ويمازحها بالعربية، كما نفعل عادة مع الصغار، وعندما وضَعْتُ أمامها كاس شاي وقطعة “حرشة” سألتني بعفوية : “دابا يلا بغينيا نمشيو عند بابا وماما خاصنا نركبو فالطيارة”؟!
وعلى ذكر “الطيارة”، هذه الأجواء المغربية وسط أوروبا، يمكن أن تجعلك تصاب ب “الطيارة” فعلا. عندما كنت أشتغل في “إذاعة الشرق”، شمال باريس، دأبت على تناول غذائي في مطعم تركي أو براسري مجاورة إن لم آخذ “ساندويتشا” في مخبزة يديرها تونسيون غير بعيد عن الراديو. الأسعار مناسبة والدفع بتذكرة المطعم، التي تمنحها المؤسسات التي لا تتوفر على “كانتين” لموظفيها. لا أعرف من دلني ذات يوم على مطعم مغربي في الجوار. لا شيء يوحي بهويته من الخارج، ما عدا الاسم المكتوب بحروف سوداء على لوحة بنية : “أگادير”. بمجرد ما تدفع الباب، يتراءى لك مشهد لا يمكن أن تجده الا عند “الطنجاوي” بالرباط: أشخاص بملامح عربية، في تركيز شديد أمام صحون وطواجين من مختلف الأشكال والأحجام…
جلست، بعد تردد قصير، وحين سألني النادل، الذي يشبه أي شاب أليف في محلبة : “آش حب الخاطر؟” رجوته أن يعطيني “الموني”، لكنه نظر إليّ باستغراب قبل أن يستظهر علي عددا من المأكولات التي يسيل لها اللعاب، ووجدتني أطلب صحنا من “الكرعين”، بعفوية وحماس. سألني محماد: “بالحمص ولا باللوبيا؟”… بالحمص طبعا، أنا متطرف فيما يتعلق ب”الهرگمة” لا يمكن أن أتصورها مع شيء آخر غير الحمص !
طلبت سَلَطة ب”البصلة”و”ماطيشة”، وقنينة “كوكا لايت”. حطهما النادل أمامي بسرعة خطيرة، مع صحن زيتون أخضر وهريسة. بعد وقت قصير جاء الطبق الرئيسي، ودخلت فيه طولا وعرضا حتى نسيت أين أنا. انفتحت شهيتي عن آخرها لم أتوقف عن الفتك ب”الجيلاتين” حتى انتبهت أن أصابعي أصبحت تتحرك بصعوبة، كأنني غمستها في سطل لصاق. شربت ماء، وتجشأت كما يصنع كل الزبائن المحترمين هنا، ثم ذهبت إلى ركن به صنبور وأنا أردد الحكمة المغربية المأثورة: “اللي جا عند حبابو، ينوض للڤابو”… بللت يديّ بالماء وغمستهما في مسحوق تنظيف، قبل أن أشرع في فرك الأصابع جيدا كي أتخلص من مخلفات أكلة أقرب إلى “المونتيف”….
عدت لطاولتي وطلبت “أتاي مشحر”، بالنعناع الگناوي، الذي يستحيل أن تعثر عليه في باريس. احتسيت براد الشاي على مهل، وعندما غادرت المطعم أحسست بالدوار، كأنني دخنت ثلاث لفافات حشيش دفعة واحدة، وبدل أن أرجع إلى الإذاعة ذهبت للبيت… من يومها فهمت لماذا نشتغل أقلّ من الأوربيين !
حشيش مغربي







