عوض مواجهة الموقف بشجاعة ومسؤولية تاريخية، اختار المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة الهروب إلى الأمام في ظل الوضع غير المسبوق الذي تعيشه الجالية المغربية بأوروبا، وخصوصاً الانقسام الواضح الذي بلغ ذروته يوم أمس حول تحديد مطلع الشهر الفضيل. هذا الانقسام الذي يطل برأسه كل عام، لم يعد مجرد خلاف فقهي عابر حول رؤية الهلال، بل أضحى مرآة عاكسة لفشل ذريع في آليات التأطير الديني، وتجسيداً حياً لحالة التيه التي يعيشها المجلس ورئيسه الأستاذ مصطفى الشنضيض بعد مرور اكثر من عام على تعيينه. إن المشهد الذي نرقبه اليوم، حيث تتوزع ولاءات الصيام بين عواصم ومشارق شتى، يكشف أن المؤسسة التي أُسست لتكون مرجعية عليا للمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية في القارة العجوز، تعيش في وادٍ والجالية في وادٍ آخر، غارقة في “تيه مؤسسي” يبحث عن شرعية مفقودة وقبول جماعي لم يتحقق.
كان من المفترض أن يحمل هذا التعيين انطلاقة جديدة لهذه المؤسسة التي تطمح إلى أن تكون المرجعية الدينية العليا لمغاربة العالم، لكن الواقع، بعد أكثر من عام، يروي حكاية مختلفة تماماً: حكاية تيه مؤسسي وبحث متعثر عن هوية وقبول جماعي.
آخر لقاء نظّمه المجلس لم يكن سوى نسخة باهتة من اللقاءات السابقة. حضور ضعيف للغاية، لا يتجاوز بضعة أشخاص، معظمهم من الوجوه المألوفة التي «تأكل فوق كل الموائد» وتدور في فلك الرئيس الجديد. أما الغالبية الساحقة من الأئمة والدعاة المغاربة في أوروبا فغائبة غياباً شبه كامل عن الدورات التكوينية والأنشطة العامة.
هذا الغياب المتواصل يثير تساؤلات مشروعة: هل هو رفض شخصي للرئيس الجديد؟ أم اختلاف وجهات النظر في الرؤية والمنهج؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك ويتصل بطبيعة المجلس نفسه وطريقة تشكيله؟
لقد تغيرت أوروبا كثيراً خلال العقد الأخير. موجات الهجرة المتتالية، وخاصة القادمة من المشرق، جلبت معها حمولات فكرية وعقدية متنوعة، فأصبحت القارة العجوز تضم أكثر من 120 جنسية تتعايش يومياً، تحمل كل منها خصوصياتها وتياراتها الفكرية. في هذا السياق المتعدد والمعقد، كان من المتوقع أن يتحول المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة إلى درع واقٍ للمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، وإلى منارة لإسلام وسطي معتدل متسامح يحمي الأجيال الصاعدة من التطرف والغلو. لكن الواقع يقول إن المجلس بتركيبته الحالية لم يتمكن حتى الآن من القيام بهذا الدور الاستراتيجي.
يعيش المجلس اليوم حالة من الشلل شبه التام. الكثير من الأئمة والوعاظ المغاربة يقاطعون أنشطته، ليس سراً، والبعض يصف الأمر بـ«المقاطعة الجماعية الصامتة».
السبب الرئيسي، حسب من عايشوا المشهد من الداخل، يكمن في سياسة «الهبوط بالمظلات» التي اعتمدت في اختيار الرئيس الجديد. فالمساجد في أوروبا ليست إدارات تابعة للدولة، بل جمعيات مستقلة تماماً بموجب القوانين الأوروبية، تتمتع بحرية كاملة في تسيير شؤونها الإدارية والدينية، وترفض أي «تدخل خارجي» مهما كان مصدره.
كان هناك، قبل عقود، منذ عهد الوداديات ، عرف سائد بين الدعاة المغاربة في المهجر: التراتبية ليست إدارية ولا بيروقراطية، بل أدبية وروحية مبنية على الولاء لشخصيات علمية تاريخية لها ثقلها في التقوى وطلب العلم والفتوى، كما كان الحال مع الراحل الشيخ حسن بن الصديق مفتي الديار البلجيكية. أما اليوم فالرئيس الجديد، مع كامل الاحترام لمساره الأكاديمي الموقر، لا يحظى حتى الآن بذلك القبول التلقائي العابر للشرائح العمرية والفكرية، وهو شرط أساسي لكي ينجح أي قيادي ديني في فضاء تعددي كأوروبا.
يبدو ان المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة سيظل عالقاً بين مطرقة الطموح المؤسسي وسندان الواقع الميداني. إذا أريد لهذه المؤسسة أن تكون فعلاً صوت مغاربة أوروبا الديني ومرجعيتهم العقدية الأولى ، فلا بد من إعادة التفكير جذرياً في طريقة اختيار قياداتها وفي فلسفة عملها، بعيداً عن منطق التعيين المركزي، و بإتجاه نموذج تشاركي يستند على الشورى والقبول الجماعي. وإلا فسيظل المجلس يبحث عن ذاته و يمثل نفسه ، و نسخة كربونية يعاد تدويرها في المناسبات الدينية و الوطنية ، بينما تظل الجالية المغربية في أوروبا رهينة الرياح الآتية من الشرق.
عزلة المؤسسة وتيه الجالية.. المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة في مهب الانقسام







