في مؤشر عسكري يتجاوز رمزية التسليح إلى إعادة ترتيب موازين القوة الجوية إقليميا، بدأت الجزائر فعليا إدخال مقاتلات الشبح الروسية “سوخوي 57” إلى الخدمة، بعد توثيق تحليق طائرتين من هذا الطراز المتطور فوق قاعدة أم البواقي الجوية، في صور التُقطت نهاية الأسبوع الماضي وتداولتها منصات متخصصة في رصد التحركات العسكرية. المعطى، الذي ظل لأسابيع في دائرة الترجيحات، انتقل إلى خانة التأكيد الميداني، بما يحمله من رسائل استراتيجية تتجاوز مجرد اقتناء عتاد حربي جديد.
الصفقة، بحسب ما كشفته تسريبات وتقارير دفاعية متقاطعة، تعود إلى اتفاق جرى توقيعه قبل سنوات مع موسكو، ويشمل 14 مقاتلة من النسخة التصديرية “Su-57E”، بكلفة مالية ضخمة تُقدّر بمليارات الدولارات. وقد تسلمت الجزائر الدفعة الأولى سنة 2025، على أن تتواصل عمليات التسليم بشكل تدريجي إلى غاية 2027، رغم الضغوط التي تواجهها الصناعات العسكرية الروسية في ظل الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية.
ولا يُقرأ إدخال مقاتلة من الجيل الخامس في الترسانة الجزائرية كتعزيز عددي فحسب، بل كقفزة تكنولوجية نوعية، بالنظر إلى ما توفره هذه المنصة من قدرات تخفٍّ راداري متقدمة، واندماج بيانات المعركة، والحرب الإلكترونية، والقدرة على تنفيذ ضربات متعددة الأبعاد في آن واحد. وهي خصائص تضعها ضمن الدائرة الضيقة عالميا للمقاتلات الأكثر تطورا، إلى جانب نظيراتها الأمريكية.
التحول الجديد يأتي مكملا لمسار تحديث متسارع لسلاح الجو الجزائري، الذي عزز خلال السنوات الأخيرة أسطوله بمقاتلات “Su-30” و“Su-35”، مع حديث عن اهتمام بقاذفات تكتيكية من طراز “Su-34”. وهو ما يعكس توجها لبناء قوة جوية هجومية ودفاعية متكاملة، قادرة على العمل في مسارح عمليات معقدة وبمديات قتالية بعيدة.
إقليميا، يفتح هذا التطور الباب أمام قراءة جديدة لتوازنات القوة الجوية في شمال إفريقيا، خصوصا في ظل امتلاك المغرب بدوره أسطولا حديثا من مقاتلات “F-16 Viper” المطورة، وصفقات تسليح وأنظمة رصد متقدمة، فضلا عن توجهه لتعزيز قدراته الجوية بمقاتلات إضافية. غير أن الفارق بين الجيلين الرابع المطوّر والخامس الشبح يظل قائما من حيث قدرات التخفي واختراق الدفاعات ودمج المعلومات القتالية.
مع ذلك، يحذر خبراء عسكريون من اختزال التفوق في نوع المقاتلة فقط، مشيرين إلى أن الجاهزية العملياتية ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل الصيانة عالية التعقيد، والدعم اللوجستي، والتحديثات البرمجية، وتكامل المقاتلة مع أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي. وهي عناصر حاسمة في تحويل التفوق التكنولوجي إلى تفوق ميداني فعلي.
أما دوليا، فلم يمر التقارب العسكري الجزائري-الروسي دون انتباه واشنطن، التي أعادت التلويح بإمكانية تفعيل عقوبات بموجب قانون “كاتسا” الخاص بمعاقبة الدول المبرمة لصفقات كبرى مع الصناعات الدفاعية الروسية، وهو السيناريو الذي سبق أن طُبق على دول أخرى. غير أن الجزائر تبدو ماضية في خيار تنويع شركائها العسكريين، مستفيدة من عائدات الطاقة لتمويل برامج التحديث والدفع بعقيدة الردع الاستراتيجي.
في المحصلة، لا تختزل صفقة “سوخوي 57” في بعدها التسليحي الصرف، بل تعكس تحولا أعمق في عقيدة التسلح الإقليمي، عنوانه الأبرز “انتقال سباق التفوق الجوي في شمال إفريقيا من منطق التحديث إلى منطق القفزات التكنولوجية الكبرى”، بما يحمله ذلك من تداعيات مفتوحة على موازين الردع والاستقرار بالمنطقة.







