في يوليوز من سنة 1963 قامت الشرطة بحملة اعتقالات طالت الآلاف، أشرف عليها كل من أوفقير والدليمي، كما تم اعتقال 102 من أعضاء الاتحاد الوطني، تم التحقيق معهم بعد جلسات من التعذيب قبل أن يصدر بلاغ وزارة الأنباء يعلن إحباط مؤامرة ضد النظام.
شهدت سنة 1963 إحدى أهم المحاكمات في تاريخ المغرب المعاصر، وهي المحاكمة التي جرت وسط أجواء سياسية مشحونة، بعد أن توترت العلاقة بين الملك الحسن الثاني والحركة الاتحادية بكافة فصائلها.
التوتر ظهرت ملامحه الأولى منذ أن كان الحسن الثاني وليا للعهد، وتفاقم بعد تشكيل القوات المسلحة الملكية التي تسرب إلى صفوفها عدد من المرتزقة وأذناب القوة الاستعمارية الفرنسية على حساب أعضاء المقاومة وجيش التحرير، الذين خضع عدد منهم للتصفية، فيما تم إدماج بعضهم برتب متدنية. كما أن رفض الحسن الثاني لمطلب انتخاب مجلس وطني تأسيسي لوضع الدستور، زاد حسب الباحث محمد لومة “الثورة الموؤودة” من تأزيم هذه العلاقة التي شهدت فصلا آخر بعد معركة المكنسة (أكوافيون) التي وقعت بالجنوب ضد جيش التحرير، ووجهت فيها أصابع الاتهام إلى عناصر متنفذة في الجيش، ساهمت في تقديم الدعم اللوجستيكي من خلال مطار “بنسركاو” بأكادير وعرقلة خطوط النجدة والإمداد.
هذا الوضع فاقم من موجة الاعتقالات والتصفيات، خاصة بعد الإعلان عن تأسيس “الفيديك” على يد رضا أكديرة، الذي جمع بين عدد من المناصب، منها مدير عام الديوان الملكي ووزير الفلاحة ووزير الداخلية، ما زاد من حدة الاحتقان السياسي، وهي الأجواء التي مهدت فيما بعد للإعلان عن مؤامرة تستهدف اغتيال الملك.
ففي 16 يوليوز انعقدت اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية للبت في مسألة الاشتراك في الانتخابات القروية والبلدية والمهنية، وهو الاجتماع الذي حضره 102 من مسؤولي الحزب، ليتخذ قرارا بمقاطعة هذه الاستحقاقات. وفور الشروع في تبليغ هذا القرار للفروع الإقليمية، تقاطرت سيارات الأمن على مقر الاتحاد بقيادة الكومسير علي بن قاسم، ونزلت منها عشرات العناصر مدججة بالرشاشات، عملت على اعتقال جميع الحاضرين، في حين تم استثناء أعضاء الجهاز النقابي المتمثل في الاتحاد المغربي للشغل من ذلك. وحسب لومة، فإن الأمور اتضحت بعد ذلك، بعد أن اكتشف مناضلو نقابة البريد خطا هاتفيا مباشرا يربط بين المحجوب بن الصديق ورضا أكديرة، فيما تم اعتقال الفقيه البصري الذي ظل مختفيا أمام مقر الوقاية المدنية الحالي بحي أكدال بالرباط.
موجة الاعتقالات طالت أيضا حوالي 5000 شخص في أنحاء المغرب، وبدا واضحا أن العنوان الأول في المواجهة المباشرة تم بين الحسن الثاني والمعارضة، تم تسطيره خاصة وأن ضربات شيخ العرب كانت تشتد، ويقابلها عجز الأمن عن التوصل إليه، رغم الآلاف من المناشير التي وزعت والحواجز التي وضعت على الطرق.
محمد لومة أكد أن النظام كان يعتبر شيخ العرب بمثابة الجناح العسكري للاتحاد الوطني، لذا وضع سيناريو ما سمي بالمؤامرة للتخلص دفعة واحدة من جميع الأصوات المزعجة، وهو السيناريو الذي كانت خطوته الأولى هي اعتقال مومن الديوري وبحوزته مسدسان على يد القبطان الدليمي، قبل أن يحال باقي المعتقلين على المحاكمة بعد جلسات تعذيب تم خلالها تصفية عدد من المناضلين، حسب لومة، على يد أوفقير شخصيا، والذي كان يحرص على استعمال رشاش عوزي الإسرائيلي الصنع.
المحكمة رفضت السماح لمحامين أجانب بالترافع لصالح المتهمين الذين تراوحت أعمارهم ما بين 20 و70 سنة، وكان من بينهم فلاحون وموظفون وتجار وعمال وطلبة، حيث تم طرد مجموعة من المحامين الجزائريين في الوقت الذي كانت العلاقات المغربية الجزائرية تمر بمرحلة حرجة في أعقاب حرب الرمال، بدعوى أن القانون لا يسمح لأي محام أجنبي بالترافع في الملف إلا إذا كان حاصلا على قرار خاص من وزير العدل.
الجلسة الأولى للمحاكمة تميزت بحضور عدد كبير من الصحفيين وسط إجراءات أمنية مشددة، كما وضعت عدة محجوزات من بينها أسلحة وضع بعضها في أكياس وحقائب، إضافة إلى محفظة وجهاز راديو.
القضية انطلقت أطوارها في 23 نونبر 1963، ولائحة التهم التي نسبت للمتهمين الـ102، والذين تواجدت من بينهم امرأة إضافة إلى خمسة أعضاء في مجلس النواب، كانت تضم أفعالا يعاقب عليها بالإعدام، ومنها محاولة اغتيال الملك، والإعداد لمؤامرة بهدف إشهار حرب أهلية بتسليح فريق من السكان أو دفعهم إلى التسلح ضد باقي المواطنين. كما وجهت لأبرز المتهمين، ومنهم محمد البصري والمهدي بنبركة، إضافة إلى ذلك، تهم المساعدة في الهجوم على القاعدة الأمريكية، وترؤس عصابات مسلحة للهجوم على مراكز الجيش بمراكش والجديدة، وتشكيل خلايا لاغتيال بعض الأفراد.
المحاكمة كانت تجري أطوارها بالمحكمة الإقليمية بالرباط، والتي كان مقرها ببناية مجلس النواب الحالي. كما أن الاعتقالات التي سبقت المحاكمة شملت آلافا في مختلف أنحاء المغرب، بقي بعضهم رهن الاعتقال والتحقيق لشهور ذاقوا خلالها صنوفا من التعذيب قبل أن يتم إخلاء سبيلهم، فيما تقرر متابعة الباقين، وهي الأمور التي تمت في ظل صمت رسمي، قبل أن يصدر بلاغ عن وزارة الأنباء يشير إلى أن الشرطة الوطنية تابعت وعلى مدى أشهر حركة تمردية تستهدف المس بأمن الدولة. كما تلا ذلك تصريحات لكل من وزير الداخلية والعدل، أكدت أن المعارضة كانت تسعى للوصول إلى قلب النظام بالعنف عن طريق تدبير مؤامرة ضد الملك، مستعينة بدعم خارجي، وأن هذه المؤامرة افتضحت بعد أن وصلت تفاصيلها إلى الملك عن طريق ضابط حاول المتآمرون تجنيده لصالحهم، وهو ما قاد إلى تفكيك هذا التنظيم الذي كان تحت المراقبة منذ سنة 1961، أي بمجرد اعتلاء الحسن الثاني عرش البلاد.







