تحتضن الولايات المتحدة، اليوم الأحد وغدا الاثنين، جولة جديدة من المباحثات حول نزاع الصحراء، في محطة توصف داخل الكواليس الدبلوماسية بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، بالنظر إلى طبيعة المشاركين وإلى الإيقاع المتسارع الذي فرضته واشنطن على الملف خلال الأسابيع الأخيرة. الاجتماع، الذي ينعقد بعيدا عن الإعلام، يأتي بعد لقاء تمهيدي احتضنته مدريد في سرية شبه تامة، قبل أن تتسرب معطيات عن تقديم المغرب وثيقة مفصلة لتطوير مقترح الحكم الذاتي.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، فإن الجولة الحالية تجمع وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا إلى جانب قيادة جبهة البوليساريو، بحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، وبقيادة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكلف بالملف. ورغم أن الأمم المتحدة تظل الإطار المرجعي الرسمي، إلا أن مصادر متطابقة تؤكد أن واشنطن هي التي تمسك فعليا بخيوط المرحلة، واضعة سقفا زمنيا غير معلن لتحقيق تقدم ملموس قبل صيف 2026.
المعطى الأبرز الذي يطغى على هذه الجولة هو الوثيقة المغربية التي قُدمت في مدريد في نحو أربعين صفحة، والتي تصفها مصادر قريبة من المفاوضات بأنها “أكثر تفصيلا وجرأة” من الصيغة الأصلية لمبادرة 2007. الوثيقة، وفق ما رشح من كواليس اللقاء الإسباني، تقترح هندسة مؤسساتية دقيقة لكيان جهوي منتخب يتوفر على صلاحيات واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الإبقاء على الاختصاصات السيادية بيد الدولة المركزية.
غير أن المصادر ذاتها تؤكد أن الوثيقة لم تمر دون تحفظات. جبهة البوليساريو، اعتبرت أن تنصيب رئيس الجهاز التنفيذي الجهوي بظهير ملكي يحد من المدى الفعلي للحكم الذاتي، كما تتحفظ على طريقة تشكيل البرلمان الجهوي، مطالبة باقتراع عام مباشر كامل، مع إثارة مسألة الهيئة الناخبة، خصوصا ما يتعلق بالمقيمين الذين استقروا في الأقاليم بعد سنة 1975. هذا النقاش، تصفه المصادر بأنه “سياسي بامتياز”، لأنه يمس جوهر التمثيلية ومن يملك حق تقرير شكل المؤسسات المقبلة.
ملف عودة اللاجئين من مخيمات تندوف بدوره يطفو بقوة على طاولة النقاش. الرباط، وفق المصادر، تدفع في اتجاه آلية تحقق دقيقة من الأصول الصحراوية قبل أي عملية عودة جماعية، فيما تصر الجبهة على مقاربة أقل تقييدا، معتبرة أن أي شروط مشددة قد تُفرغ العملية من بعدها الإنساني والسياسي. كما يظل موضوع الصلاحيات الخارجية للكيان الجهوي المقترح محل شد وجذب، بين تصور مغربي يقوم على رقابة سيادية صارمة، وموقف مقابل يرى أن أي حكم ذاتي دون هامش تحرك خارجي سيبقى ناقصا.
الجزائر، التي تؤكد رسميا أنها “ليست طرفا في النزاع بل معنية بحله”، تحضر الجولة بوفد وزاري، مع تمسكها العلني بمبدأ تقرير المصير والشرعية الدولية. غير أن مصادر دبلوماسية غربية تتحدث عن إدراك متزايد داخل بعض الدوائر الإقليمية بأن استمرار الجمود لم يعد يخدم أحدا، في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية تعرفها المنطقة.
في هذا السياق، لم تستبعد المصادر ربط أي تسوية محتملة بإعادة ترتيب التوازنات الاقتصادية واللوجستية في غرب المتوسط ومنطقة الساحل، دون أن يكون لذلك أي تأكيد رسمي ضمن جدول الأعمال الحالي.
وتؤكد المصادر أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى ما تسميه “اتفاقا مرحليا” يضع أرضية سياسية واضحة، حتى وإن لم يحسم كل التفاصيل. وتضيف أن واشنطن تتحرك على خطين متوازيين: دعم المسار الأممي من جهة، ومحاولة خفض منسوب التوتر بين الرباط والجزائر من جهة ثانية، باعتبار أن أي تقدم في الملف يظل رهينا بمناخ إقليمي أقل تصادما.
حتى الآن، يسود تكتم شديد حول ما إذا كانت الجولة ستنتهي ببيان مشترك أو بإحالة الملف إلى لجنة تقنية لصياغة مقترحات معدلة. لكن المؤكد، وفق المصادر، أن وتيرة الاجتماعات غير المسبوقة تعكس انتقال الملف من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة اختبار النوايا السياسية الحقيقية للأطراف. وبين ضغط الزمن الذي تفرضه واشنطن، وتعقيد الملفات العالقة، تبدو الجولة الأمريكية محطة فاصلة، إما أن تؤسس لمسار تفاوضي أكثر وضوحا، أو تعيد إنتاج المراوحة التي طبعت النزاع لعقود.







