في أواخر سنة 1963، ستقوم السلطات الأمنية بحملة اعتقالات واسعة شملت عناصر تنشط في خلايا مسلحة اتهمت بمحاولة الاعتداء على أمن الدولة وإسقاط النظام بدعم من جهات خارجية.
الاعتقالات التي امتدت إلى غاية سنة 1970، وهمت 162 شخصًا.
أشرف أوفقير، وزير الداخلية، بعد أن تمت ترقيته سنة 1954 إلى رتبة جنرال مع تعيينه وزيرًا للداخلية إضافة إلى منصبه كمدير عام للأمن الوطني، على استنطاقهم بدار المقري، في حين بقي 31 شخصًا في حالة فرار، معظمهم كان خارج المغرب.
ليقدم المعتقلون إلى المحكمة العسكرية التي قضت بعدم الاختصاص، قبل أن يأخذ الملف وجهته نحو محكمة الجنايات بمراكش، رغم أن أوفقير استمات، وعلى غرار محاكمة المتهمين في قضية ما يعرف بـ “مؤامرة 1963″، من أجل أن تتم المحاكمة أمام القضاء العسكري، لكن المدعي العام العسكري، الكولونيل أحمد العيد، فوت عليه الفرصة، ونطق بعدم الاختصاص، ما دفع أوفقير إلى تعيين حراسة إضافية وغير قانونية على زنازين المعتقلين، حسب ما أكده الباحث محمد لومة الذي أشار إلى أن هؤلاء الحراس كانوا من أبناء قرية أوفقير بعين الشعير، وكانوا مسلحين برشاشات، كما حرصوا على ملازمة الزنازن ليل نهار، وتعريض المعتقلين للضرب والسب والإهانة، ما حدا بالمتهمين محمد اليازغي وحسين موار بأن يستفردا بأحد الحراس، ويشبعاه ضربًا إلى درجة تكسرت معها بعض أسنانه مع إصابته بعدة رضوض وجروح. وعندما عرض ملف هذه الواقعة على وكيل الملك بمراكش، تم حفظ الملف لسبب بسيط يتعلق بانعدام الصفة القانونية لهؤلاء الحراس.
القضية شكلت واحدة من أهم المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب، والملف حمل عنوان “الفقيه محمد الفرقاني ومن معه”، إضافة إلى عنوان آخر هو “محاكمة مراكش الكبرى”، وتوبع فيها 193 متهما، من بينهم 32 متهما في حالة فرار، إضافة إلى متهمين اثنين في حالة سراح مؤقت. وتضمنت لائحة التهم الموجهة للمعتقلين، التي سطرتها النيابة العامة، تهم الاعتداء على النظام لإقامة نظام آخر مكانه، والمشاركة في المس بالأمن الداخلي للدولة، ومحاولة القتل العمد مع سبق الإصرار، وعدم التبليغ.
المحاكمة حظيت باهتمام دولي بعد أن حضرها عدد من ممثلي الجمعيات الحقوقية والقانونية الدولية، إضافة إلى ملحقي السفارات الأجنبية، فيما تكونت هيئة الدفاع من حوالي 50 محاميًا.
لائحة الشهود تضمنت 38 شاهد اتهام، من بينهم طبيب ومقدم وشرطي، في حين طالب الدفاع باستدعاء 3 شهود فقط، ويتعلق الأمر بسفير المغرب في مدريد، وسفير إسبانيا في الرباط، وعميد شرطة يدعى عبد المالك الحمياني.
بداية الاعتقالات كانت بالحبيب الفرقاني، الذي ألقي عليه القبض في دجنبر 1969 بمراكش، ثم تلاه شوجار عبد الرحمان، قبل أن ترتفع وتيرة الاعتقالات بعد العثور على صيد ثمين في منزل مسرار بوجمعة، وهو عبارة عن قائمة كاملة بأسماء التنظيم السري بكل من دمنات ومراكش وأمزميز، كان الفرقاني قد أخفاها لديه. ليتم نقل كل من وصلت إليه يد البوليس إلى دار المقري لمباشرة الاستنطاق تحت ظروف رهيبة من التعذيب وسوء التغذية.
موازاة مع الحملة التي شنها البوليس المغربي، قامت مصالح الشرطة الفرنسية أيّامًا قبل وصول الحسن الثاني إلى باريس، بمداهمة عدد من الشقق التي كان يرتادها بعض أعضاء التنظيم، حيث تمكنت من اعتقال إبراهيم التزنيتي وضبطت لديه كمية كبيرة من العملة الصعبة والوثائق، وهو ما يؤكد وجود تنسيق سري بين عناصر من المخابرات المغربية ونظيرتها الفرنسية في هذه العملية، قبل أن تبذل مساعي حثيثة لإطلاق سراح التزنيتي بدعوى أن الأموال التي حجزت لديه كانت مخصصة لدعم العشب الفلسطيني، لكن ذلك لم يحل دون أن تتوصل المخابرات المغربية بمعلومات حول الوثائق التي حجزت لديه، ومنها قوائم تتعلق بأعضاء التنظيم بأوروبا، وعناوينهم، وتفاصيل تتعلق بتمويل التنظيم.
وفي شهر يناير من سنة 1970، كانت الأجهزة الأمنية قد وضعت يدها على عدد كبير من أعضاء التنظيم وشارفت على الانتهاء من استنطاقهم، قبل أن يقع حدث مهم يقلب الأمور رأسًا على عقب، وأصبحت معه كل المحاضر التي أنجزت ملغاة وكأنها لم تكن. ويتعلق الأمر بتسليم السلطات الإسبانية لكل من سعيد بونعيلات وأحمد بنجلون إلى المغرب في فبراير من نفس السنة، في عملية أثارت الكثير من الجدل، لينطلق مسلسل جديد من التعذيب جعل بعض المعتقلين يفقدون الأمل في مغادرة الزنزانة على قيد الحياة، خاصة بعد أن لجأ الجلادون إلى أساليب تعذيب خطيرة تعتمد على القهر النفسي، من خلال اعتقال أفراد من عائلة المعتقلين للضغط عليهم وإجبارهم على الاعتراف، وهو ما حدث مع عائلة محمد التانوتي، الذي قامت عناصر أوفقير بإحضار أبيه وأمه وزوج أخته من وجدة وتعذيبهم أمامه لإرغامه على الاعتراف بالأسلحة الموجودة لديهم، كما تم اعتقال ابنة المجاهد أيت المودن وزوجها وإخضاعهما لتعذيب شديد بدار المقري بعد أن قاما بإيوائه في منزلهما الذي غادره هاربًا بعد عملية مداهمة وقع على إثرها سلاحه وعثرت عليه الشرطة.
بعد ذلك، تم عقد اجتماعات أمنية لتدقيق في طرق التحقيق التي شارك فيها محمود عرشان، كما تضمنت اللائحة كلا من إدريس البصري ومحمد العشعاشي.
المتهمون في هذه القضية اجتازوا محنة رهيبة أخرى، حسب الباحث محمد لومة، بعد أن قرر أوفقير إعدامهم جمعيًا في سجن بولمهارز يوم 11 يوليوز، مباشرة بعد فشل انقلاب الصخيرات، وقد أبلغ شخص يدعى “عمر” الفرقاني مساء يوم 9 يوليوز بأن حدثًا مهمًا سيقع، وأن عليهم جمع أغراضهم، علمًا أن الانقلابيين كانوا قد وضعوا ضمن أجندتهم في حالة النجاح إطلاق سراح 172 سجينا لكسب بعض الدعم السياسي، غير أن فشل العملية جعل أوفقير يقرر مسح الجميع من الوجود، وهو ما دفع مدير السجن بلغازي إلى طلب لقاء عاجل مع الوكيل العام للملك بمراكش عشية يوم الأحد 11 يوليوز 1971، حيث أخبره بأن بعض الحراس لاحظوا تحركات مشبوهة لعناصر عين الشعير البوليسية، وأن هناك احتمالات قوية لإعدام المعتقلين جماعيًا في أية لحظة، إما بالتسميم أو إطلاق النار، وهو ما دفع المدير إلى رمي مفاتيح الزنازن إلى داخل الممر الداخلي ليفوت الفرصة على أوفقير من أجل تصفية بعض من أهم خصومه.







