مرة أخرى يجد المواطن المغربي نفسه في مواجهة فوهة مدفع أسعار المحروقات التي لا ترحم. زيادة بدرهمين دفعة واحدة، تحت مبررات “قرع طبول الحرب في الشرق الأوسط”، لم تكن سوى القشة التي قصمت ظهر الطبقة المتوسطة والفقيرة. غير أن ما يحدث في العمق ليس إلا فصلاً جديداً من فصول “التغريب” الاقتصادي الذي هندسته نخب سياسية تعاقبت على تدبير جيوب المغاربة قبل شؤونهم.
فما يحدث اليوم ليس قدرا جيوسياسيا أو قوة قاهرة، بل هو نتيجة منطقية لمخطط بدأ بـ “فرض التحرير” وانتهى بـ “كابوس الاحتكار”، حيث تحالف القرار السياسي مع نفوذ المال، وصمتت المؤسسات الدستورية صمت القبور.
وتبدأ الحكاية تحديدا من “خطيئة” عبد الإله بنكيران؛ ذاك الرجل الذي دخل التاريخ من باب “إصلاح المقاصة” ليخرج منه من باب “تشريد” المستهلك المغربي. بنكيران، وفي نشوة بحثه عن التوازنات الماكرو-اقتصادية وتلميع صورة المغرب أمام المؤسسات المانحة، أقدم على مغامرة غير محسوبة العواقب حين حرر الأسعار في 2015 دون وضع “صمام أمان” واحد.
رفع الرجل الدعم، لكنه لم يؤسس لنظام تسقيف الأرباح، ولم يبنِ منظومة دعم مباشر استباقية تحمي الفئات الهشة من تقلبات السوق الدولية. ليكون بذلك كمن سلم مفاتيح “الأمن الطاقي” لشركات التوزيع على طبق من ذهب، معتقدا بسذاجة سياسية أو ربما “براغماتية مفرطة” أن المنافسة ستخفض الأسعار، فإذا بها تتحول إلى “تواطؤات” تحت الطاولة أكلت الأخضر واليابس.
وهنا، تؤكد مصادرمطلعة تحدثت لـ “نيشان” أن عزيز أخنوش التقط الخيط، ليس فقط كفاعل سياسي، بل كفاعل يمسك بمفاصل القطاع عبر مجموعته “أكوا” وعلامتها الشهيرة “أفريقيا”.
ومع وصوله لرئاسة الحكومة، انتقل المغرب من مرحلة “التحرير الفاشل” إلى مرحلة “التوطين المؤسساتي للوبي المحروقات”. لم يعد الصراع اليوم بين حكومة وشركات، بل أصبح المغاربة أمام وضع شاذ يكون فيه “الخصم هو الحكم”.
أخنوش، الذي يصفه معارضوه وخصومه بـ “زعيم الفراقشية”، نجح في تطبيع فكرة الأرباح الفاحشة التي تتجاوز في بعض التقديرات 17 مليار درهم سنويا كأرباح إضافية غير مستحقة، وهي أرقام أكدتها تقارير المهمة الاستطلاعية البرلمانية حول المحروقات التي ترأسها “عبدالله بوانو” سنة 2018، وبقيت حبيسة الرفوف.
هكذا، وتحت قيادة “رئيس الحكومة” / “البزنِسمَان الملياردير”، تحول المغرب إلى “جنة ضريبية” وربحية لشركات المحروقات التي ترفع الأسعار فور زيادة سِنت واحد في بورصة “روتردام”، وتتلكأ لأسابيع حين يتهاوى سعر البرميل عالميا، في مشهد يكرس “قانون الغاب” الاقتصادي، تقول المصادر.
وفي زاوية هذا المثلث، يقبع أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، الذي يبدو أن دوره انحصر في دور “الموثق” لعمليات السطو القانوني على جيوب المواطنين.
قرارات المجلس الأخيرة، التي اكتفت بغرامات تصالحية “هزيلة” مقارنة بحجم الأرباح المليارية، كانت بمثابة “صك غفران” للشركات لكي تواصل ممارساتها الاحتكارية.
وفي آخر تصريح له عقب زيادة الدرهمين، أكد رحو – وهذه المرة دون حاجة لفتح “تحقيق” كما يفعل عادة مع “أرباب المقاهي والمشروبات” – أن تقارب أسعار المحروقات أو زيادات متشابهة بين محطات الوقود “لا يعني بالضرورة وجود تواطؤ بين الفاعلين في القطاع”.
وأوضح أن “هذا الأمر قد يحدث بشكل طبيعي في الأسواق عندما تكون السلعة موحدة ولا توجد فروقات كبيرة في الجودة، حيث تتقارب الأثمان بسرعة بفعل شفافية السوق وتفاعل الفاعلين مع تحركات بعضهم البعض”، وهو التفسير الذي يرى البعض أنه يغطي على واقع الاحتكار ويشرعن للقطاع ما لم يستطع المجلس معالجته فعليا.
في هذا السياق يرى خبير اقتصادي تحدث لـ “نيشان” مفضلا عدم الكشف عن هويته أن “مجلس المنافسة فقد بوصلته الدستورية، وبدلا من أن يكون حائط صد ضد التركيزات الاحتكارية، تحول إلى أداة لشرعنة الوضع القائم، مما جعل قراراته تبدو كشيك على بياض للفاعلين الكبار”.
ويضيف المتحدث ذاته، أن غياب الجرأة في فرض عقوبات رادعة أو إجبار الشركات على خفض هوامش ربحها في وقت الأزمات، هو الذي جعل “الفراقشية” يتجرؤون على زيادة درهمين بدم بارد، ضاربين عرض الحائط بكل دعوات السلم الاجتماعي.
وترى مصادر نيشان، أن المشهد الحالي يضع الدولة أمام مرآة الحقيقة؛ فالمواطن الذي يكتوي اليوم بنار الزيادة في ثمن الكازوال والبنزين، يدرك أن “الحرب في إيران” هي مجرد شماعة يعلق عليها “تحالف المال والسلطة” فشله في تدبير قطاع حيوي.
أما المحروقات في المغرب فقد أصبحت أداة لامتصاص المدخرات، والمسؤولية هنا مشتركة ومباشرة، بين بنكيران الذي “حرر” دون حماية، وأخنوش الذي “وطن” الاحتكار، ورحو الذي “بارك” المسار بصمته وتخاذل مؤسسته.
هؤلاء الثلاثة، تقول المصادر، جعلوا المغاربة تحت رحمة “كارتيلات” لا تؤمن إلا بمنطق الربح السريع، و”حرّرُوا” عليهم معيشتهم في سوق لا ترحم، لتظل المعادلة واضحة “شركات تتضخم ثرواتها، وشعب يغرق في دوامة الغلاء، ومؤسسات تتفرج من بعيد”.







