في الوقت الذي تشتعل فيه أسواق الطاقة العالمية تحت وطأة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الخليج، والتي دفعت بأسعار الخام إلى مستويات قياسية بحر مارس الجاري، يجد المغرب نفسه مكشوفا أمام تقلبات دولية كان من الممكن امتصاص صدمتها لو أن مصفاة “لاسامير” بالمحمدية لم تظل جثة هامدة لأكثر من عقد من الزمن. التوقف المستمر لهذه المنشأة الاستراتيجية، التي تبلغ سعتها التخزينية نحو 2 مليون متر مكعب وقدرتها التكريرية 10 ملايين طن سنويا، لم يعد مجرد ملف قضائي شائك في ردهات التحكيم الدولي، بل تحول إلى ثقب أسود يلتف حول السيادة الطاقية للمملكة، حيث تؤكد التقارير النقابية أن استئناف تشغيل المصفاة كان سيوفر على الميزانية العامة ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار سنويا من كلفة استيراد المواد المكررة.
خلف الأبواب المغلقة، يهمس المتابعون للملف بأن “الفيتو” المفروض على إحياء المصفاة ليس تقنيا ولا ماليا فحسب، بل هو نتاج تضارب مصالح حاد تقوده “لوبيات الاستيراد” التي نمت وتغولت منذ تحرير أسعار المحروقات في 2015.
ووفقا للمصادر، فإن هذه الشركات، التي تهيمن على أكثر من 80% من حصة السوق الوطنية، وجدت في غياب “لاسامير” فرصة ذهبية للتحكم في سلاسل التوريد وهوامش الربح، بعيداً عن أي منافسة وطنية قادرة على خفض الأسعار بفضل التكرير المحلي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن فاتورة المحروقات بالمغرب باتت تتضمن هوامش ربح تتجاوز في كثير من الأحيان المعدلات المعقولة، في ظل غياب مصفاة وطنية تلعب دور “المنظم” والمخزن الاستراتيجي الذي يحمي المستهلك من التقلبات الفجائية في بورصة “روتردام”.
المعضلة تتعقد أكثر مع تداخل الشق القانوني بالسياسي، فبينما تطالب “الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول” بالحل عبر التسيير الحر أو التأميم أو حتى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تظل الحكومة متشبثة بحياد حذر، مبررة ذلك بانتظار الحسم النهائي في قضية المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) ضد الملياردير محمد العمودي.
لكن، وفي كواليس المحمدية، تآكلت الآلات وفقد المغرب الآلاف من كفاءاته التقنية التي هاجرت إلى الخليج وكندا، مما يرفع كلفة إعادة التأهيل من 200 مليون دولار قبل سنوات إلى ما يقارب نصف مليار دولار حالياً نتيجة الصدأ والتقادم التقني.
وترى مصادرنا، أن الإصرار على استيراد “المازوت” و”البنزين” جاهزين بدل تكرير الخام محلياً، لا يضعف فقط العملة الصعبة، بل يترك الأمن الطاقي المغربي رهينا بمرور السفن عبر مضيق هرمز أو باب المندب. وفي ظل الصدمة الطاقية الحالية، تبرز التساؤلات المشروعة، بشأن من يملك المصلحة الحقيقية في بقاء صهاريج المحمدية فارغة، وهل تملك الحكومة الشجاعة السياسية لكسر قيود “اللوبي” الطاقي الذي يرى في دخان المصفاة تهديداً لأرباحه المليارية.
الإجابة، كما تراها المصادر، تظل معلقة في انتظار قرار يتجاوز الحسابات الضيقة لمصالح الشركات نحو آفاق الأمن الاستراتيجي للمملكة، خاصة وأن كل يوم يمر والمصفاة متوقفة، هو يوم إضافي من الارتهان للخارج وكلفة باهظة يؤديها المواطن المغربي من جيبه في محطات الوقود.







