كشف صندوق النقد الدولي عن “ثقب” في منظومة الاستثمارات العمومية المغربية الموجهة لمونديال 2030، مؤكداً أن 60% من الغلاف المالي المرصود لهذه الأوراش الكبرى يذهب مباشرة لتمويل “المحتوى الاستيرادي”.
وأوضح الصندوق في تقريره التفصيلي رقم 26/73، أن هذا النزيف المالي الناتج عن التبعية للتقنيات والخبرات والمعدات الأجنبية، يحرم الاقتصاد الوطني من الاستفادة الكاملة من دينامية المشاريع المليارية، حيث تتحول المملكة إلى “منصة إنفاق” يستفيد منها الموردون الدوليون أكثر من المقاولات واليد العاملة المحلية، مما يضعف أثر هذه الاستثمارات على خلق الثروة ومناصب الشغل المستدامة.
الوثيقة الصادرة عن خبراء واشنطن والتي اطلع عليها موقع “نيشان”، وضعت الأصبع على مفارقة استثمارية مقلقة؛ فبينما يتحمل المغرب كلفة التمويل والمديونية الناتجة عن تعبئة 19 مليار دولار، فإن القيمة المضافة الحقيقية تظل محاصرة بضعف “الإدماج المحلي” في الصفقات التقنية والهندسية المعقدة.
ونبه التقرير إلى أن هذا الارتباط الوثيق بالخارج في قطاعات السكك الحديدية والطيران والتجهيزات الدقيقة، يجعل من الاستثمار العمومي محركاً لنمو الشركاء التجاريين للمغرب بقدر ما هو محرك للاقتصاد الوطني، وهو ما يفرض تحدياً مصيرياً يتعلق بـ “السيادة الاقتصادية” ومدى قدرة النسيج المقاولاتي المغربي على اختراق المجالات التي تسيطر عليها مكاتب الدراسات والشركات العابرة للقارات.
وفي سياق تحليله لمخاطر هذا “التسرب المالي”، شدد الصندوق على أن استمرار ضعف مساهمة الصناعة والخدمات الوطنية في هذه الأوراش يقلص من قدرة الدولة على تحصيل عوائد ضريبية وتنموية موازية لحجم الإنفاق.
وخلص التقرير إلى أن رهان المونديال لن يحقق قفزة نوعية في الناتج الداخلي الخام إلا إذا نجحت الرباط في فرض شروط صارمة تتعلق بتوطين التكنولوجيا وتشجيع “الاستثمار المنتج” محلياً، تفادياً لاستنزاف الاحتياطات من العملة الصعبة في صفقات “جاهزة للتسليم” لا تترك وراءها سوى بنية تحتية صامتة دون أثر هيكلي على مسار التصنيع الوطني.
يُذكر أن هذا التقرير يتم إعداده في إطار مشاورات المادة الرابعة التي يجريها خبراء صندوق النقد الدولي بصفة دورية مع الدول الأعضاء، حيث قامت بعثة الصندوق بزيارة للمغرب لإجراء مناقشات تقنية مع المسؤولين في وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب والمؤسسات العمومية الكبرى.
وتعد هذه التقارير، المعروفة بـ “تقارير القضايا المختارة” (Selected Issues)، وثائق استشرافية تهدف إلى تحليل السياسات الماكرواقتصادية وتقييم المخاطر الهيكلية على المدى المتوسط والبعيد، كما تشكل قاعدة بيانات مرجعية يعتمد عليها الشركاء الدوليون والمؤسسات المانحة في تقييم الجدارة الائتمانية والمنحى العام للاستقرار المالي بالمملكة.







