بعيدا عن الأضواء الكاشفة في إسلام أباد، و في حرب السرديات وبيع الوهم، تتمتع إيران بقدرة استثنائية على الاستقطاب والتجنيد، مستفيدة من شبكات شخصية ودبلوماسية ومالية واسعة. يكفي مثال واحد لندرك خطورة الأمر: استطاع طبيب شيعي لبناني في بروكسل منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، تشييع الآلاف من المغاربة، حتى أصبح المذهب الشيعي بداية الألفية الثانية، ثاني أكبر مذهب يُتعبد به في العاصمة البلجيكية، وأغلب أتباعه من الجالية المغربية. أقام هؤلاء حسينيات ومراكز ثقافية مرتبطة مباشرة بالبعثات الدبلوماسية الإيرانية، مما حوّل بروكسل إلى مركز رئيسي للنفوذ الإيراني في أوروبا، وفتح الباب أمام تمدد مشابه في دول أخرى.
أمام هذه الخطورة، أخذت الرباط على عاتقها مسؤولية الحفاظ على هوية الجالية المغربية المتمسكة بمذهبها السني التقليدي، في مواجهة مشروع إيراني توسعي يستغل المهاجرين كأدوات لنشر النفوذ. وفي قلب القارة العجوز، دارت رحى صراع نفوذ طاحن بين المغرب وإيران داخل الجاليات المسلمة، خاصة المغربية، حيث خاضت الرباط حروب استقطاب سرية وعلنية ومن وراء الكواليس لقصقصة أجنحة التشيع الفارسي ومواجهة تمدده. اكتسبت تلك المواجهة أهمية استراتيجية، إذ إن أي تراجع مغربي سيسمح لطهران بتحويل الجاليات المغربية إلى قواعد متقدمة تخدم أجندتها الإقليمية، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والأمني للدول الأوروبية المضيفة.
كان من تجليات هذا الاستقطاب الممنهج حادث مقتل الإمام الشيعي المغربي الأصل، عبد الله الدهدوه، سنة 2012. حيث اقتحم مختل عقلي حسينية الإمام الرضا في بروكسل، وأضرم فيها النار باستخدام البنزين، نتج عنه وفاة الإمام اختناقاً. رغم أن الحادث ظل معزولاً، إلا أنه كشف عن عمق الشرخ الذي زرعته حملات الاستقطاب، حين سعى كل طرف إلى فرض رؤيته الدينية والسياسية.
يعود هذا الدور الإيراني إلى سنوات خلت، لكنه بلغ ذروته إبان الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، حيث استغلت طهران بروباغاندا انتصار حزب الله كـ”ماركة مسجلة” للاستقطاب الجماهيري. تم تسويق هذا الانتصار كرمز للمقاومة، ضمن إطار “الحرب الناعمة” التي تهدف إلى بيع سردية “الإسلام المضطهد” الذي تتزعمه إيران. وفي هذه المرحلة بالذات، تحولت المراكز الإيرانية في أوروبا إلى أدوات فعالة لمواجهة أي استقطاب مضاد قد يأتي من جهات أخرى، بما في ذلك النفوذ المغربي التقليدي في أوساط الجاليات المغربية والمغاربية.
كان الهدف الاستراتيجي الأساسي من الجهود الإيرانية بناء قواعد متقدمة لدعم النظام الإيراني داخل القارة الأوروبية، مع التركيز على التجنيد المنهجي ومواجهة أي محاولات للتصدي لهذا النفوذ. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه القواعد أداة لتعزيز الولاءات العقائدية، مما ساهم في تعميق الاستقطاب داخل الجاليات المسلمة. وهنا ظهرت أهمية الدور الذي لعبه المغرب كقوة مضادة تحاول الحفاظ على تماسك الجاليات المغاربية أمام هذا التوسع الإيراني المدروس.
لكن رغم ذلك، تطورت الاستراتيجية الإيرانية لاحقاً إلى أبعاد أكثر خطورة، حيث تورطت أذرعها العقائدية في ملاحقة المعارضين والسياسيين داخل أوروبا عبر وكلائها، مسجلة حوادث قتل موثقة في دول الاتحاد الأوروبي المختلفة. كان من بين الضحايا معارضون إيرانيون وصحفيون ونشطاء سياسيون، وهو الجانب الأكثر توثيقاً وخطورة في هذا الصراع. وفي بعض الحالات، سجلت تقارير صحفية استخدام مافيات المخدرات، بما في ذلك التعاون المزعوم بين الحرس الثوري الإيراني والمافيا المغربية (الموكرومافيا) في عمليات تصفية داخل هولندا، مما يعكس تحولاً من الحرب الناعمة إلى أساليب دموية تهدد الأمن الأوروبي نفسه.
حاولت إيران استخدام أوروبا كساحة تعويضية عن الاصطفافات الإقليمية، من خلال أيديولوجيا التشيع السياسي، وسعت خلف الستار إلى بناء قواعد متقدمة لخدمة مشروعها التوسعي عبر تجنيد الجاليات، خاصة المغربية، لتكون أداة في يدها.
ويظل الصراع مع المغرب في «حرب السرديات» والاستقطاب داخل هذه الجاليات جزءاً أصيلاً من هذه الديناميكية طويلة الأمد، التي تتطلب من الرباط استمرار اليقظة والعمل الدبلوماسي والثقافي للحفاظ على تماسك جاليتها وحماية هويتها من أي نفوذ خارجي.







