تتصاعد خلف الجدران المغلقة في نيويورك وواشنطن ملامح مرحلة جديدة كليا في ملف الصحراء المغربية، حيث تشير تقارير دبلوماسية مسربة من أروقة مجلس الأمن إلى أن إحاطة ستيفان دي ميستورا الأخيرة لم تكن مجرد جرد روتيني للمستجدات، بل مثلت إعلاناً ضمنيا عن انتقال الثقل الدولي من مرحلة “البحث عن حل” إلى “هندسة التنزيل”.
وتؤكد مصادر دبلوماسية متطابقة، تقاطعت مع ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية ودوائر إعلامية مقربة من الخارجية الأمريكية، أن المبعوث الأممي بدأ بالفعل في مناقشة “ملحقات تقنية” سرية تتعلق بخطة الحكم الذاتي، تتضمن تفاصيل دقيقة حول آليات التسيير الإداري والقضائي وهيكلة المجالس المحلية، وهي التفاصيل التي ظلت الرباط تحتفظ بها كـ “ورقة أخيرة” لإظهار جدية المقترح وجاهزيته للتطبيق الفوري.
هذا التحول الجذري في نبرة الأمم المتحدة، والحديث الصريح عن “أفق أكتوبر” كأجل لرسم معالم اتفاق-إطار، يأتي مدفوعا بضغوط من “نادي الكبار” داخل المجلس، وتحديداً واشنطن ولندن، حيث تفيد تقارير بأن العواصم الغربية باتت ترى في استمرار النزاع استنزافاً للأمن الإقليمي في وقت يحتاج فيه العالم إلى “شريك موثوق” في شمال إفريقيا.
وفي سياق هذه الكواليس، تبرز زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، المرتقبة كحلقة وصل أساسية، إذ تشير المعطيات المتاحة إلى أن الأجندة “التقنية والفضائية” التي سيناقشها في الرباط هي في الواقع رسالة سياسية مشفرة مفادها أن الولايات المتحدة قد حسمت خيارها بالاستثمار في السيادة المغربية كأمر واقع، من خلال ربط البنية التحتية المغربية بالأمن القومي التكنولوجي الأمريكي.
وبينما تركز الجولات الدبلوماسية في الجزائر على ملفات “ضبط الحدود” ومكافحة الإرهاب، يبدو أن الترتيبات الجارية في الكواليس الدولية تمهد الطريق لما يوصف بـ “عملية الانتقال السلس”، حيث لم يعد النقاش يدور حول شرعية المبادرة المغربية، بل حول الجدول الزمني الذي سيشهد تحويل مكاتب الأمم المتحدة من هيئة مراقبة للهدنة إلى هيئة مرافقة لتنزيل الحكم الذاتي على أرض الواقع، وهو ما يفسر القلق المتزايد في المخيمات والأصداء الخافتة القادمة من قصر المرادية، أمام زخم دولي تقوده قوى لا تكتفي بدعم المغرب سياسيا، بل بدأت في دمج أقاليمه الجنوبية ضمن الخرائط الاقتصادية والتقنية المستقبلية للعالم.







