لا يمكن الاكتفاء بقراءة نتائج مؤتمر الاتحاد الدولي للصحافيين المنعقد في العاصمة الفرنسية باريس، من رؤية ضيقة تصنف هذا الإخفاق ب” تعثر انتخابي”، ونركن لتبرير مهدئ ببيان بلا أثر حقيقي فضفاض، بلغة لا تنتج دلالة، ألفنا استهلاكها في القواميس النقابية المحلية.
فالعودة من باريس بخفي حنين شكل صفعة ثقيلة، ومدوية… بل مؤلمة….
الخطاب النقابي الذي طالما ظل لسنوات طويلة يبالغ في توصيفات نضالية، وبشغف غريب يلامس التعويم والتوهيم، في رسم صورة وردية ومضخمة عن النفوذ المغربي داخل المنتديات الدولية، تلاشى فجأة على صخرة واقعية انتخابات باريس.
صناديق الاقتراع بباريس، في القاعات الباردة والمحايدة، عرت بهدوء تام كشف الحساب الحقيقي، ووضعت كل جهة في حجمها الطبيعي، دون مجاملات دبلوماسية أو شعارات رنانة فارغة من أي محتوى فعلي أو وزن حقيقي.
يفشل المرشح نفسه للمرة الثانية تواليا، وبالترتيب المتأخر ذاته، يقرأ منهجيا أنه عرض مزمن للتراجع والانحدار نحو القاع، فلم يعد الأمر مقتصرا أو مرتبطا بسوء حظ انتخابي كما يروج له، أو ما يحب البعض تسميته في كواليس التبرير ب “تحالفات ظرفية” أو مؤامرات محاكة في جنح الظلام، بل تحول الأمر برمته إلى مؤشر سياسي ونقابي بالغ الخطورة على أزمة تمثيل عميقة، أزمة يمكن تسميتها بوضوح شديد ودون مواربة: انقطاع الصلة التام بين الخطاب الاستهلاكي الداخلي والوزن الفعلي على الساحة الدولية.
سقوط ممثل النقابة وقائدها خارج أسوار المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافيين أكبر من خسارة شخصية عابرة في مسار رجل وعد وكان خارج المواعد الدولية، والرهانات الوطنية، كان النكسة إعلانا دوليا مؤلما عن تقلص القدرة التفاوضية، وتراجع الهيبة، وانحسار إشعاع النقابة الوطنية للصحافة المغربية داخل الفضاء الدولي الذي لا يعترف سوى بالأقوياء والفاعلين الجدد. الأكثر قسوة، بل والأكثر سخرية ومرارة من السقوط نفسه، هو الطريقة الدرامية التي حدث بها هذا الاندحار، حيث استقر الترتيب في مراتب متأخرة جدا، قاريا وعربيا، خلف دول وكيانات كانت إلى وقت قريب جدا تقدم داخل المخيال النقابي المغربي المتعالي كهوامش صغيرة أو نقط بالكاد ترى في الخريطة المهنية. فجأة، وبدون مقدمات، وجدت النقابة العتيدة نفسها، وهي التي تتغنى بتاريخها في كل مناسبة، تراقب بذهول صعود دول مثل موريتانيا والبحرين والكويت وسلطنة عمان، بينما تتقدم تونس وفلسطين بخطى ثابتة ومدروسة إلى مواقع القرار المتقدمة كنائبي رئيس، في وقت عاد فيه الوفد المغربي، الذي ذهب محملا بآمال عريضة ووعود وردية، بحقائب بروتوكولية فارغة، وكثير من الأسئلة الثقيلة التي تتهرب القيادة من الإجابة عنها بشجاعة. إن هذا التراجع المحزن لا يعكس فقط سوء تدبير للمرحلة، بل يعكس استعلاء غير مبرر وجهلا مركبا بخريطة التوازنات الجديدة التي تحكم العمل النقابي الدولي.
المشكلة الجوهرية هنا، وفي كل إخفاق مماثل، ليست في الخسارة بحد ذاتها، فالعمل النقابي في نهاية المطاف ليس بطولة أبدية أو انتصارا دائم التحقق، والهزائم والتراجعات تظل جزءا طبيعيا لا يتجزأ من التدافع الديمقراطي وقواعد اللعبة الانتخابية. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ وتتجذر حين تتحول الهزيمة إلى روتين مألوف، ويصبح الفشل نفسه سياسة معتمدة وحيدة لإدارة الفشل، وكأن المؤسسة قد استمرأت طعم الخسارة وأدمنت عليه، وأصبح الهوان الدولي جزءا من هويتها المعاصرة. كيف يمكن لأي عقل نقابي حصيف أن يفسر هذا الإصرار العجيب على إعادة تدوير الأسماء ذاتها، وتقديم الوجوه نفسها، رغم إخفاقاتها المتكررة وهزائمها المتتالية في المحافل القارية والدولية؟ وكيف تدار مؤسسة عريقة يفترض نظريا وأخلاقيا أنها تمثل آلاف الصحافيين المغاربة، وتتحدث باسم همومهم وطموحاتهم، بعقلية الزعيم الضرورة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حيث ينظر إلى مفهوم التداول على المهام وكأنه مؤامرة خارجية، وإلى النقد الداخلي والمراجعة الذاتية كخيانة شخصية تستوجب العزل والتهميش الفوري؟ إن استمرار هذا النهج العقيم يفرغ العمل النقابي من محتواه الديمقراطي، ويحوله إلى مجرد ناد مغلق على فئة محددة.
إن ما جرى في قاعات مؤتمر باريس كشف بوضوح لا لبس فيه، وبقسوة لا تقبل التأويل، أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية لم تعد تعاني فقط من ضعف الحضور الدولي وتراجع النفوذ الإقليمي، بل تعاني من أزمة قراءة حقيقية للواقع، وعمى استراتيجي يمنعها من فهم التحولات العميقة التي يشهدها العالم المتسارع. ففي عالم النقابات الحديثة والمؤسسات المهنية المعاصرة، لا تحسم المعارك الكبرى بالشعارات الفضفاضة، ولا بالبلاغات الإنشائية التي تصاغ بلغة خشبية لا يقرؤها أحد خارج الجدران، بل تحسم بالعمل الدؤوب، وبناء التحالفات الذكية والمستدامة، ونسج خيوط الثقة مع الشركاء، وقبل ذلك كله، بتقديم وجوه جديدة تمتلك مصداقية مهنية حقيقية وقدرة فائقة على الإقناع والتواصل العابر للحدود والجنسيات. أما الاكتفاء الساذج بتكرار الأسماء نفسها في كل استحقاق، وكأن الساحة الصحافية المغربية، الولادة بطبعها، قد عقمت فجأة عن إنتاج كفاءات جديدة ودماء شابة قادرة على رفع التحدي، فهو أشبه بإرسال الرسالة الخاطئة ذاتها كل مرة، عبر البريد المعطل نفسه، وانتظار نتيجة مختلفة ومبهرة. وذلك، في أبسط تجلياته، تعريف كلاسيكي للجمود والانتحار المؤسساتي البطيء.
والأشد إحراجا في هذه المسرحية الباريسية العبثية، أن مقصلة الإقصاء لم تقتصر فقط على سباق المكتب التنفيذي، بل امتدت شظاياها المتناثرة لتصيب مجلس النوع الاجتماعي، حيث تكرر مشهد السقوط المدوي لكل من مونية عرشي وسعاد شاغل، في استنساخ حرفي ومؤلم لتجربة مؤتمر عمان السابقة. وهنا بالتحديد، يصبح السؤال أكثر حساسية وحرقة، ويضع القيادة التائهة أمام مرآة الحقيقة العارية: هل يتعلق الأمر فعلا وإيمانا صادقا بدعم المرأة الصحافية وتمكينها الحقيقي للعب أدوار طلائعية في المشهد الدولي، أم أنه مجرد استعمال رمزي وتوظيف فج لواجهة التمثيلية النسائية لتأثيث المشهد ولعب ورقة الجندرة أمام المانحين والشركاء، دون أي مراجعة حقيقية لمعايير الاختيار، ودون أي اكتراث بالكفاءة والقدرة الفعلية على الحشد الدولي والتأثير الاستراتيجي؟ لأن الدفاع الصادق عن حضور النساء المغربيات داخل المؤسسات الدولية لا يكون أبدا بإلقائهن كحطب في المعارك الانتخابية الخاسرة نفسها، بالأسلحة والأدوات المهترئة نفسها، لضمان النتائج الكارثية ذاتها، ثم الاكتفاء بعد ذلك بخطاب المظلومية وتباكي الضحية. إن هذا العبث يسيء بشكل مباشر للمرأة الصحافية المغربية التي تمتلك من الكفاءة والقدرة ما يؤهلها لتصدر المشهد القاري، شريطة أن يتم تسليحها بالدعم الحقيقي.
لقد تحولت النقابة، في غفلة من الزمن وبفعل تراكم الممارسات الإقصائية والقرارات الأحادية، من فضاء رحب للدفاع عن حقوق الصحافيين وصون كرامتهم المهدورة، إلى جهاز بيروقراطي مثقل بالحسابات الضيقة، منشغل بشكل مرضي بإعادة إنتاج نخبته الداخلية وضمان استمراريتها في الكراسي الوثيرة، بأي ثمن كان. ولهذا السبب بالتحديد، لم يعد مستغربا أو صادما للمتتبعين أن يفقد المغرب، بتاريخه المجيد والحافل، مقعده داخل أكبر تنظيم صحافي عالمي، بينما تتوسع في الداخل الفجوة العميقة والمخيفة بين القيادة المعزولة في أبراجها العاجية، وقواعد المهنة العريضة التي تواجه بشكل يومي وحارق الهشاشة المستشرية، والتضييق الممنهج، وتراجع شروط العيش المهني الكريم والآمن. فالتمثيل الدولي الرصين، لمن يدرك كنهه الحقيقي، ليس رحلة سياحية مدفوعة التكاليف لالتقاط الصور التذكارية في المؤتمرات الكبرى والتباهي بها في منصات التواصل، بل هو انعكاس مباشر وصادق لقوة البيت الداخلي وتماسكه ومناعته. والبيت المهني الذي تعصف به الانقسامات الحادة، وتضعف في أروقته المظلمة آليات الديمقراطية التشاركية، ويضيق صدر مدبريه بالنقد البناء إلى حد تخوين المخالفين وإقصائهم، لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يقف أمام العالم المتقدم ليطلب منه التصويت له بثقة واحترام.
وما يثير الشفقة والأسى أكثر مما يثير الضحك، أن بعض القيادات النقابية، ورغم وضوح شمس الهزيمة الساطعة التي لا يغطيها غربال، لا تزال تتحدث في كواليسها وتصريحاتها الموجهة للاستهلاك المحلي البئيس، بلغة الانتصارات الرمزية الوهمية وتدبير المرحلة بنجاح مزعوم، متجاهلة بصلف غريب ومستفز أن الأرقام التي أفرزتها صناديق باريس كانت أكثر بلاغة وصدقا وصرامة من كل الخطب العصماء والبيانات المرقعة التي يصدرها المركز. فالأصوات الانتخابية في المحافل المحترمة لا تجامل أحدا لسواد عينيه أو لطول لسانه، وصناديق الاقتراع الباردة لا تدار بالبيانات العاطفية أو بالتباكي الدرامي على أمجاد الماضي التليد. هناك، في القاعات المضاءة والمجهزة للمؤتمرات الدولية، لا يكفي أبدا أن تقف متصلبا لتختزل نفسك وتقول إنك تمثل تاريخ الصحافة المغربية العريق لتضمن مقعدك المريح، بل يجب، وبشكل حتمي وعاجل، أن تمتلك الكفاءة والرؤية الواضحة لتقنع الآخرين، شركاء ومنافسين على حد سواء، بأنك تمثل مستقبل هذه الصحافة أيضا، وأنك تملك إضافات نوعية وواقعية لحل قضايا المهنة عالميا. أما الركون إلى وهم الزعامة التاريخية المطلقة، ومحاولة تغطية شمس الفشل بغربال المبررات الواهية والمكشوفة، فلن يزيد الوضع المعقد إلا تعقيدا.
إن ما وقع في باريس، بكل تفاصيله الدقيقة والمؤلمة التي تابعناها، ينبغي ألا يقرأ بأي شكل من الأشكال كأنه مجرد هزيمة عادية لأفراد أو مرشحين بأعيانهم انتهت صلاحيتهم، بل يجب أن يدق كإنذار أخير وعنيف لبنية نقابية كاملة ومترهلة تبدو، لكل متابع حصيف وناقد، عاجزة كليا عن التجدد أو استيعاب دروس الماضي القريب. فالمؤسسات التي لا تعرف كيف تعترف بأخطائها بشجاعة الفرسان، وتتهرب بجبن من تقديم الحساب لقواعدها، تتحول تدريجيا وبفعل الزمن الكشاف إلى جزر معزولة ومنسية، تتحدث كثيرا إلى نفسها في صدى مفرغ لا يسمعه أحد، وتفقد بشكل مأساوي وحزين القدرة على مخاطبة العالم المتحرك من حولها. والمغرب، كدولة وكوطن عظيم، والذي راكم تاريخا صحافيا ونضاليا معقدا وغنيا بالتضحيات الجسام، لا يستحق قطعا أن يختزل حضوره الدولي الوازن في سلسلة متصلة من الإخفاقات المتكررة والمحبطة للآمال، ولا أن يبقى مقعده الطبيعي والمستحق شاغرا أو مستبدلا بدول كانت إلى الأمس القريب تتتلمذ على يده وتستقي من تجاربه، فقط لأن بعض الوجوه الحاضرة والمهيمنة اعتادت النظر إلى النقابة باعتبارها ملكية انتخابية خاصة لا تناقش.
تأسيسا على كل ما سبق من انكسارات متتالية وتبريرات متهافتة ومكشوفة، يمكن القول بمرارة شديدة إننا ربما لم نخسر في العاصمة الفرنسية فقط مقعدا استراتيجيا وهاما داخل المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافيين، بل خسرنا على المذبح الانتخابي شيئا أعمق وأكثر رمزية وتأثيرا يمتد لعقود: خسرنا صورة النقابة القوية والمهابة التي كانت، ذات زمن مضى وجميل، قادرة على صناعة التأثير الحقيقي، وبناء التحالفات المتينة، وفرض احترامها بقوة الكفاءة على الجميع، لا مجرد الوقوف بضعف في الطابور الطويل لانتظار التصفيق المجاني أو استجداء تعاطف زائف لم يعد موجودا في قواميس اليوم. إن المرحلة الراهنة والمفصلية، وبكل ما تحمله من تحديات وجودية وقاهرة لمهنة الصحافة والمشتغلين بها، تتطلب رجة عنيفة ومزلزلة تكسر هذا الجليد المتراكم والمقيت، وتنهي حالة الاستعصاء الديمقراطي والشلل المؤسساتي داخل الهياكل النقابية العتيقة، فالتاريخ الإنساني لا يرحم المتخاذلين أو المترددين، والمستقبل المشرق لا يبنى إطلاقا بوجوه أدمنت الفشل الذريع واعتبرته، بكل سخرية وصفاقة، جزءا مضيئا من مسارها النضالي. إنها لحظة الحقيقة الصادمة التي تفرض على الجميع، دون أي استثناء أو محاباة، وضع النقاط على الحروف بشجاعة، وإعادة ترتيب البيت الداخلي المتهالك قبل أن تتجاوزنا الأحداث المتسارعة، ونصبح مجرد ذكرى عابرة وباهتة في سجلات العمل النقابي.
خالد أخازي: كاتب وإعلامي







