الجميع سمع ما قاله عبد الإله بنكيران في خروجه الأخير خلال الملتقى الوطني للفضاء المغربي للمهنيين، لكن كثيرين لم يقرأوا ما بين السطور؛ فبنكيران، بوصفه زعيما “خطابيا” يتقن اللعب على أوتار العاطفة السياسية، يدرك جيدا متى يرفع سقف التوقعات ومتى يمارس “التبوريضة” التي لا تعدو أن تكون عرضًا للفرجة وتنشيطًا لبطولة لم يعد نجمها الأول.
ما قاله حول أن الملك، في حال تصدر حزب “العدالة والتنمية” انتخابات 2026، “سيختار من يشاء” من “المصباح” لرئاسة الحكومة، لا يبدو تعبيرا عن زهد سياسي بقدر ما يعكس محاولة لاستباق “فيتو” الواقع الذي أخرجه فعلياً من دائرة الضوء، وقلّص حتى من حظوظ حزبه في أي عودة قوية خلال الاستحقاقات المقبلة، بدليل الهزائم التي حصدها في الانتخابات الجزئية الأخيرة.
إن بنكيران اليوم يشبه فارس “التبوريضة” الذي دخل الحلبة بجواد متعب بعدما أضاع “مكحلته”؛ فتخيّل نفسه يطلق البارود وهو لا يحمل في يده سوى “عكازه” الخشبي. والحقيقة التي يتجاهلها هي أن الملك، دستوريا وسياسيا، لم يكن يوما ينتظر “إذنا” من زعيم حزبي ليمارس صلاحياته. وما جرى سنة 2017 بعد “البلوكاج” الشهير، الذي انتهى بتعيين سعد الدين العثماني وإزاحة بنكيران بجرة قلم سياسية، كان درسًا أكد أن الأعراف ليست قدراً محتوماً حين تقتضي المصلحة تجاوزها. لذلك يبدو أن بنكيران يبيع اليوم “تضحية” بحق لا يملكه، في محاولة للهروب من حقيقة كونه أصبح “ورقة مستهلكة” في مطبخ التوازنات الكبرى.
كما لا يمكن فصل هذا “الزهد” المفاجئ عن أثقاله الشخصية؛ فالرجل الذي بنى مجده على محاربة الريع، وجد نفسه محاصرا بجدل “السبعة ملايين”، ذلك المعاش الاستثنائي الذي أثار نقاشاً واسعاً حول صورته السياسية وخطابه السابق.
ويُضاف إلى ذلك عامل السن والتحولات التي عرفها المشهد السياسي المغربي، ما يجعل طموحه في العودة إلى رئاسة الحكومة أقرب إلى رهان صعب في مغرب جديد يبحث عن النجاعة أكثر من بحثه عن “القفشات”. والأكيد أن بنكيران نفسه، في قرارة ذاته، مقتنع بذلك، وأقصى ما يسعى إليه اليوم هو الاحتفاظ بلقب “الزعيم الروحي”، متقمصا، إلى حد بعيد، جبة وهيئة الراحل “عبد الكريم الخطيب”، ومتأثراً بشخصيته وهندامه.
إن تاريخ المغرب الحديث يخبرنا أن “المخزن” يملك قدرة هائلة على هضم الرموز وإعادة تدويرها، أو ركنها في “متحف التاريخ” حين تنتهي وظيفتها. وما يفعله بنكيران اليوم يشبه، إلى حد بعيد، ما قام به قادة “الكتلة الديمقراطية” في مراحل سابقة، حين كانوا يتفاوضون على “سقوف الممكن” لا “سقوف الطموح”. غير أن الفارق هو أن بنكيران يفعل ذلك وهو يجر خلفه انكسارًا انتخابياً مدويا، حوّل حزبه من “غول” يكتسح المدن إلى “فصيل” يصارع لإثبات الذات.
إنه يحاول، ببراغماتية موجعة، أن يقول لصناع القرار “إذا كنت أنا المشكلة، فالحزب هو الحل”، وهي مقامرة أخيرة تهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول “العدالة والتنمية” إلى مجرد ذكرى سياسية ارتبطت بـ”عشرية” ولّت.
في نهاية المطاف، يبدو أن عبد الإله بنكيران استوعب أخيراً الدرس الذي لقّنته له أحداث 2016؛ وهو أن “الزعيم” في المغرب يمكن تعويضه بـ”الرجل الثاني” أو “الثالث”، ما دام الحزب قد قبل الانخراط في “اللعبة”.








