لم يكن من قبيل الصدفة أن تفرج الحكومة عن “كتاب الحصيلة” في هذا التوقيت بالذات، وعلى بعد أشهر قليلة من محطة شتنبر الانتخابية. فالمعطيات الاقتصادية التي جرى ضخها في الشرايين الإعلامية المقربة خلال الساعات الماضية، والتي تتحدث عن معدل نمو بلغ 4.5 في المائة واستعادة “درجة الاستثمار”، تحمل في طياتها ما هو أكثر من مجرد جرد حسابي جاف، بل تبدو وكأنها “إعلان نيات” سياسي مبكر يسعى لرسم صورة “المنقذ الاقتصادي” الذي نجح في عبور العاصفة.
وتقول مصادر “نيشان” إن التحضير لنشر هذه الأرقام شهد نقاشات مستفيضة حول كيفية تسويقها كـ”درع واقٍ” ضد الانتقادات الموجهة لتدبير الملفات الاجتماعية الحارقة، حيث تراهن الأغلبية الحالية على “الشرعية التقنية” التي منحتها وكالات التصنيف الدولية مثل “موديز”، لتجاوز حالة التبرم الشعبي من غلاء المعيشة، الذي لم تنجح الأرقام العشرية في حجبه عن قفة المواطن البسيط.
ويرى محللون اقتصاديون أن التركيز على تحقيق نمو غير فلاحي بنسبة 4.5 في المائة، والاحتفاء برفع حجم الاستثمار العمومي إلى 380 مليار درهم سنة 2026، يمثل محاولة ذكية لنقل النقاش من “المعيش اليومي” إلى “المؤشرات الماكرو-اقتصادية” الكبرى التي يصعب على المواطن العادي تفنيدها، لكنها في جوهرها تثير تساؤلات حول جدواها الاجتماعية.
فبينما تتحدث لغة الأرقام الرسمية عن خلق 170 ألف منصب شغل سنوياً في القطاعات غير الفلاحية، تشير المصادر ذاتها إلى أن هذا الرقم، رغم ضخامته الظاهرية، يظل عاجزاً عن امتصاص صدمة “نزيف الأرياف” التي فقدت أكثر من 100 ألف منصب شغل سنوياً بسبب سنوات الجفاف العجاف، ما يجعل “صافي الربح” في سوق الشغل يقترب من الصفر في بعض المناطق، وهو الوجه الآخر للعملة الذي تفادت “ورقة الحصيلة” التوقف عنده طويلاً.
وفي الوقت الذي تفتخر فيه الحكومة بتراجع التضخم إلى 0.8 في المائة سنة 2025، مقارنة بـ6.6 في المائة قبل ثلاث سنوات، تشير قراءات تقنية معمقة إلى أن هذا التراجع لا يعني “انخفاض الأسعار”، بل فقط “تباطؤ وتيرة ارتفاعها”، ما يعني أن الأسعار استقرت عند مستويات قياسية أرهقت الطبقة المتوسطة والفقيرة على حد سواء خلال الولاية الانتدابية الحالية.
ويبدو أن الحكومة، من خلال استعراض عضلاتها المالية عبر التأكيد على وصول الموارد الجبائية إلى 342 مليار درهم، تحاول توجيه رسالة إلى “الداخل والخارج” بأنها تملك زمام المبادرة المالية. غير أن هذه “البحبوحة الضريبية” تُقرأ في الأوساط المهنية كضغط جبائي غير مسبوق، ساهمت فيه بشكل كبير الضرائب على الشركات والدخل، ما يطرح علامة استفهام حول ما إذا كان هذا النمو الاقتصادي نتيجة دينامية حقيقية، أم نتيجة “تجريد” المقاولات والأسر من فوائضها المالية لملء خزينة الدولة.
ووفقاً للمصادر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة في صالونات السياسة بالرباط هو: هل ستنجح “ديبلوماسية الأرقام” وشهادات الرضا الصادرة عن صندوق النقد الدولي في تعبيد الطريق لولاية ثانية، في وقت يؤكد فيه الواقع أن الفجوة لا تزال قائمة بين “مغرب الأرقام” الذي تقدمه التقارير الرسمية و”مغرب الواقع” الذي يعيشه الناس في الأسواق والقرى المهمشة.
وترى المصادر ذاتها أن خروج المملكة من “اللائحة الرمادية” واستعادة تصنيف “درجة الاستثمار” في مارس 2026 يمثلان إنجازين لا ينكرهما أحد من الناحية التقنية، غير أنهما يظلان “عملة غير قابلة للصرف” في ميزان الناخب إذا لم يترجما إلى عدالة اجتماعية ملموسة. وهو الرهان الذي تحاول الحكومة كسبه عبر تحويل “كتاب الحصيلة” إلى “مانيفستو” انتخابي يسعى لإقناع المغاربة بأن الأسوأ قد مر، وأن قطار التنمية قد انطلق بالفعل، حتى وإن كان كثيرون لا يزالون ينتظرون على الرصيف.







