تسابق وزارة الداخلية الزمن لتحويل شوارع المدن المغربية الكبرى إلى واجهات “مونديالية” بامتياز، حيث كشف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت عن ملامح خطة استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة هيكلة قطاع سيارات الأجرة جذرياً قبل صافرة انطلاق كأس العالم 2030.
هذا التوجه الحكومي، الذي صاغه الوزير في جواب كتابي حديث وجهه إلى البرلمان، لا يبدو، وفقا لمصادر مطلعة، مجرد إجراء تنظيمي روتيني، بل هو استجابة مباشرة لضغوط دفتر تحملات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي يضع “التنقل المستدام” والخدمات الرقمية في قلب معايير الاستضافة الدولية.
وتتجه السلطات العمومية، وفق المعطيات الرسمية، نحو إنهاء حقبة “الريع” التاريخية عبر حصر استغلال رخص سيارات الأجرة على السائقين المهنيين فقط، مع وقف المصادقة على أي عقود لفائدة غير المهنيين، وهي الخطوة التي تُقرأ كعملية “غربلة” واسعة لتنظيف القطاع من الوسطاء والمستثمرين الطفيليين الذين ظلوا لعقود “الحلقة الأقوى” مالياً والأضعف مهنياً.
وفي سياق هذا التحول نحو “النموذج الأخضر” الذي تفرضه التزامات المغرب الدولية، وضعت وزارة الداخلية برنامجاً وطنياً لتجديد الحظيرة، يهدف إلى استبدال المركبات المتهالكة التي لم تعد تليق بصورة بلد مقبل على احتضان كبار مشجعي العالم، بسيارات إيكولوجية حديثة تستجيب لمعايير السلامة والبيئة العالمية.
هذا الانتقال نحو “الطاكسي الإيكولوجي” يصطدم بواقع اجتماعي مرير وصفه النائب البرلماني عمر أعنان بـ”الوضعية المزرية” للسائقين، الذين يجدون أنفسهم اليوم بين سندان الديون المتراكمة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومطرقة المطالبة بتحديث آليات عملهم بتكاليف باهظة.
ومع انطلاق العملية الوطنية لتعويض “رخص الثقة” الكلاسيكية ببطاقات إلكترونية ذكية بين يناير ويونيو 2026، يبدو أن الدولة قررت رقمنة “أنفاس” السائقين وإخضاعهم لنظام تنقيط وتتبع صارم، ينهي فوضى “الكريمة” الورقية ويحول السائق إلى مقدم خدمة محترف تحت المجهر الأمني والتقني.
لكن خلف لغة الأرقام والوعود التقنية التي ساقها لفتيت، تبرز إكراهات ميدانية كبرى تتعلق بمدى قدرة السائق البسيط على الصمود في وجه “المقصلة البيئية”، إذ إن الدعم المالي المباشر الذي تعد به الوزارة لتجديد السيارات قد لا يكون كافياً لإقناع آلاف المهنيين المنهكين بالديون بالانخراط في مغامرة “التحديث القسري”.
وبالموازاة مع ذلك، تظهر الضغوط الدولية لتقنين تطبيقات النقل الذكية كشبح يطارد القطاع التقليدي، مما دفع الوزارة إلى تسريع وتيرة “تخليق المهنة” وتشديد المراقبة الطرقية لفرض التسعيرة وأخلاقيات العمل، في محاولة استباقية لقطع الطريق أمام أي مبررات قد ترفعها شركات النقل الدولية للاستحواذ على سوق التنقل خلال المونديال.
ووفقا للمصادر، فإن الرهان اليوم يتجاوز مجرد تغيير “هيكل” السيارة أو لونها، بل يمتد إلى دراسة استراتيجية معمقة أطلقها لفتيت لصياغة سيناريوهات إصلاحية تجعل من “الطاكسي المغربي” جزءاً من منظومة نقل عالمية، وهو ما يضع المهنيين أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاندماج الكامل في الرقمنة والاحترافية، أو الخروج النهائي من الخدمة تحت وطأة المعايير الصارمة لـ “فيفا” وتحديات 2030.







