قناعة مجتمعية يتقاسمها كل المغاربة: تحول لقمة العيش إلى ساحة لتصفية الحسابات الاقتصادية وتمرير الصفقات المشبوهة… لا يشك أحد أن صفقات استيراد اللحوم عرت سياسات تزعم أنها من صميم الدولة الاجتماعية، وجاءت لحماية المواطن، لكن الواقع كشف عن وجهها الحقيقي كحارس أمين لمصالح اللوبيات المنتفعة.
ملف استيراد اللحوم والأبقار البرازيلية إلى المغرب لم يعد مجرد أزمة عابرة فرضتها تقلبات المناخ وتوالي سنوات الجفاف، بل تحول، وبلا تحفظ، إلى فضيحة دولة مكتملة الأركان…
محللون… سياسيون… حقوقيون يؤكدون أننا أمام جريمة اقتصادية واجتماعية وصحية، هندسها لوبي استيراد جشع، وباركتها حكومة عاجزة أو متواطئة، ودفع ثمنها باهظا فلاح صغير فقد مصدر رزقه، ومستهلك مقهور يشتري الوهم بأسعار تلتهم ما تبقى من كرامته.
سنغوص في محاولة للفهم في المستنقع المظلم لتجارة اللحوم، لنفكك شيفرة الأرقام التي تكذب الخطابات الرسمية، ونعري كيف تحولت مليارات الدعم العمومي إلى أرباح صافية في حسابات محتكرين معدودين، بينما تحولت الأسواق المغربية إلى مكب نفايات لمنتجات ترفضها مختبرات أوروبا الصارمة. إنها قصة وطن يبيع سيادته الغذائية، ويقامر بصحة أجياله القادمة، تحت غطاء محاربة الغلاء.
اقتصاد الريع واختطاف الدعم العمومي
لغة الأرقام لا تكذب، لكنها تفضح… فحين أعلنت الحكومة عن خطة استعجالية لإنقاذ السوق الداخلية من لهيب الأسعار، خصصت تحفيزات مالية وإعفاءات ضريبية وجمركية غير مسبوقة لصالح مستوردي الأبقار. فتم إلغاء الرسوم الجمركية، ورفعت الضريبة على القيمة المضافة، ومنح دعم مالي مباشر عن كل رأس يدخل التراب الوطني. كانت الوعود تشير إلى عودة الأسعار لمستوياتها الطبيعية، لكن ما حدث على أرض الواقع كان عملية سطو مقننة على المال العام.
في هذا السياق تشير المصادر الرسمية إلى أن قيمة واردات الأبقار الحية من البرازيل بلغت وحدها أكثر من 78.7 مليون دولار خلال سنة 2024، واستورد المغرب بين 8 و 9 ملايين دولار من اللحوم المجمدة، حيث بلغ جمالي الواردات من البرازيل قفز إلى 1.9 مليار دولار. ورغم هذا الضخ المالي المهول المدعوم من جيوب دافعي الضرائب، ظل سعر الكيلوغرام من اللحم يشتعل بين 100 و 120 درهم.
فتناسلت أسئلة حرجة حول مصير أموال الدعم…وجهات قريبة من القطاع وجدت الخلل يكمن في البنية الاحتكارية المغلقة لهذا القطاع، حيث أكد متتبعون ومحللون أنه تم تفصيل شروط الاستيراد على مقاس شركات بعينها تمتلك النفوذ والسيولة والقدرة اللوجستية، مما خلق كارتيلات تتحكم في العرض والطلب. هؤلاء المستوردون لم يعكسوا الدعم على الأسعار النهائية، بل امتصوا الفارق لتعظيم ثرواتهم، مستغلين غياب أي سقف تسعيري ملزم من طرف الدولة، في تواطؤ مكشوف يجسد أبشع صور الفساد الإداري والاقتصادي.
الإبادة الممنهجة للفلاح الصغير وتدمير البادية
خلف واجهة البواخر العملاقة التي تفرغ حمولتها في موانئ الدار البيضاء والجرف الأصفر، دارت ومازالت فصول تراجيديا اجتماعية صامتة، بطلها وضحيتها هو الكساب والفلاح المغربي الصغير، فتاريخيا، كان هذا الفلاح هو الجدار الاستراتيجي الذي يحمي الأمن الغذائي للبلاد، لكنه وجد نفسه اليوم أعزل في مواجهة آلة سحق مزدوجة، جفاف السماء من جهة، وتخلي الدولة عنه من جهة أخرى.
في الوقت الذي كانت فيه الحكومة توزع الملايير كإعفاءات على كبار المستوردين، كان الفلاح الصغير يئن تحت وطأة أسعار الأعلاف المركبة التي تضاعفت، وندرة المياه التي جففت مراعيه، حينذاك لم تقدم له الدولة ربع ما قدمته للوبيات الاستيراد، وكانت النتيجة الحتمية إفلاس جماعي لصغار المربين، واضطرارهم لبيع قطعانهم بأسعار مهينة، ودفع الإناث والولادات الصغيرة نحو المجازر، مما دمر البنية الديموغرافية للقطيع الوطني بشكل لا يمكن إصلاحه في المدى المتوسط. هذه المذبحة الاقتصادية أدت أيضا إلى تسريع وتيرة الهجرة القروية، وتفكيك النسيج الاجتماعي في البوادي، وتحويل المنتجين إلى عاطلين يبحثون عن فتات في هوامش المدن الكبرى. إن تدمير القطيع المحلي لصالح الاعتماد على أبقار البرازيل ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو تخريب متعمد لمقدرات الوطن.
قنبلة الصحة الموقوتة، أجساد المغاربة ليست حقول تجارب
إذا كانت الخسارة الاقتصادية فادحة، فإن الكارثة الصحية تبدو مرعبة. البرازيل، ورغم كونها عملاق إنتاج اللحوم، تواجه اتهامات دولية موثقة حول التراخي في معايير السلامة البيطرية. التقارير الصادرة عن هيئات الرقابة في الاتحاد الأوروبي تفضح استخدام المزارع البرازيلية لمضادات حيوية محظورة ومحفزات نمو كيميائية لتسريع تسمين العجول. هذه المواد تصنفها منظمة الصحة العالمية كخطر داهم يساهم في بناء مقاومة بكتيرية لدى الإنسان، مما يحول أبسط الأمراض إلى أوبئة قاتلة تعجز أمامها الأدوية.
أوروبا، التي تحترم صحة مواطنيها، رفعت البطاقة الحمراء في وجه هذه الشحنات، وفرضت قيود صارمة على الاستيراد من البرازيل، وأصدر الاتحاد الأوروبي قرارا بوقف الاستيراد من البرازيل لأسباب صحية ابتداء من شهر ستتبر، وأن كان البعض يرى في القرار وتبريره بأسباب صحية، مجرد تغطية للاستجابة مطالب الفلاح الأوروبي الذي يعاني من منافسة شرسة.
لكن في المغرب، فتحت الأبواب على مصراعيها. وهنا نطرح السؤال الصادم، هل يمتلك المواطن المغربي جهاز مناعة خارق يختلف عن نظيره الأوروبي. أم أن صحة المغاربة تعتبر في نظر صناع القرار يعتبرون الصحة معطى ثانوي أمام ضغط اللوبيات وضرورات السوق. إن قبول المغرب بمعايير رقابية أدنى من تلك المعمول بها في دول الشمال يكرس عنصرية غذائية غير منصفة، تجعل من دول الجنوب، والمغرب جزء منها، مجرد مكبات خلفية لاستهلاك ما تلفظه الدول المتقدمة.
وهم المؤسسات الرقابية وسقوط جدار الثقة
أمام هذا التدفق الهائل للأبقار واللحوم، تقف المؤسسات التي يفترض فيها حماية المستهلك، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، في موقف يثير الكثير من الريبة. تصدر هذه المؤسسات بلاغات طمأنة روتينية تؤكد سلامة الواردات، لكن الواقع الميداني يفضح هشاشة هذه الرقابة. كيف يمكن لجهاز يعاني من خصاص في الموارد البشرية واللوجستية أن يراقب كل رأس بقر ينزل من البواخر. وكيف يتم تتبع مسار هذه الحيوانات بمجرد تفرقها في الضيعات العشوائية أو اختلاطها في الأسواق الأسبوعية والمجازر غير المهيكلة.
إن غياب الشفافية في نشر نتائج التحاليل المخبرية المستقلة، والتعتيم على مسار توزيع هذه اللحوم، يجعل المواطن ضحية خداع يومي. المستهلك اليوم يشتري لحم بثمن باهظ وهو يجهل تماما مصدره الحقيقي، هل هو عجل بلدي، أم بقرة برازيلية مشبعة بمحفزات النمو. هذا الخلط المتعمد في الأسواق يخدم فقط مصالح شبكات الغش والتدليس، ويؤكد أن مؤسسات المراقبة إما غائبة عن قصد، أو تم تجريدها من صلاحياتها لتكون مجرد واجهة لتمرير صفقات الكبار.
الفساد الإداري، الرخص كعملة للولاءات والمصالح
لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن آليات الفساد الإداري الذي ينخر دواليب الإدارة العمومية. إن منح رخص الاستيراد، وتحديد حصص الدعم، والتغاضي عن دفاتر التحملات، لا يتم في غرف زجاجية شفافة. فهناك اقتصاد خفي يتحكم في هذا القطاع، مبني على تضارب المصالح، حيث يختلط السياسي بالمالي. بعض الأسماء التي تستحوذ على حصة الأسد من سوق استيراد اللحوم لها امتدادات داخل مراكز القرار، مما يفسر العجز الحكومي المريب عن فرض أي رقابة صارمة على الأسعار أو الأرباح.
هذا الزواج المحرم بين السلطة والثروة هو الذي يحول السياسات العمومية من أدوات لخدمة المجتمع إلى آليات لنهب مقدراته… فعندما تصمت المؤسسات التشريعية أوتعجز عن تفعيل لجان تقصي حقائق في كيفية صرف مليارات الدعم، وعندما تتجاهل الحكومة تقارير المجتمع المدني المنددة بالغلاء وضعف الجودة، فنحن لسنا أمام فشل تدبيري، بل أمام منظومة فساد متكاملة تحمي بعضها البعض.
جيوسياسة الغذاء والسيادة الوطنية المهدورة
يتجاوز ملف اللحوم البرازيلية حدود الجزارين ليصل إلى صلب مفهوم السيادة الوطنية. العالم يشهد بدون ريبة حروب طاحنة وتحولات جيوسياسية عميقة، ليصبح الغذاء هو السلاح الأقوى لتركيع الشعوب. المغرب، بارتمائه الكلي في أحضان الاستيراد لتأمين مائدته، يرهن قراره السيادي لتقلبات بورصات شيكاغو ومزاجيات كبار المزارعين في ساو باولو.
لقد تراجع استيراد اللحوم المجمدة من 2800 طن في 2023 إلى 1558 طن في 2024، لكن التعويض جاء عبر الاستيراد المكثف للحيوانات الحية، وهو ما يخلق تبعية مركبة. نحن لا نستورد اللحم فقط، بل نستورد معه الأعلاف والأدوية وطرق التسمين. هذا الارتهان يجعل المغرب فاقد للمناعة أمام أي هزة عالمية، سواء كانت جائحة بيطرية في البرازيل، أو ارتفاع جنوني في أسعار الشحن البحري، أو توتر جيوسياسي يغلق الممرات الملاحية. إن التخلي عن بناء أمن غذائي ذاتي مبني على دعم الإنتاج المحلي وتطوير سلالات قادرة على التكيف مع المناخ الجاف، هو جريمة في حق الأجيال القادمة.
المحاسبة الغائبة والعدالة المغتصبة
في كل الدول التي تحترم مواطنيها، ترتبط السياسات العمومية بالمحاسبة. من اتخذ قرار تبديد مليارات الدراهم في استيراد لم يخفض الأسعار ولم يحم القطيع المحلي. لماذا لا يتم فتح تحقيق شفاف في هويات المستوردين وحجم أرباحهم غير المشروعة المقتطعة من أموال الدعم. إن استمرار سياسة الإفلات من العقاب هو ما يشجع لوبيات الفساد على التمادي في استنزاف الدولة والمجتمع.
المواطن المقهور الذي يتجول بين محلات الجزارة ويكتفي بشراء العظام أو أحشاء البقر، هو الضحية النهائية لهذه الجريمة المنظمة. هذا الاحتقان الاجتماعي الصامت، المولد من رحم القهر الاقتصادي والإحساس بالغبن، يمثل قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي. الجوع لا يعرف لغة الأرقام الماكرو اقتصادية، ولا يفهم تبريرات الوزراء في الندوات الصحفية.
صرخة في وجه العبث
إن أزمة اللحوم البرازيلية في المغرب هي مرآة عاكسة لكل أعطاب النموذج التنموي والسياسي. إنها تفضح هشاشة المؤسسات، وجشع الرأسمال الريعي، وتهميش الفلاح، واسترخاص صحة المواطن. لا حلول سحرية في الأفق ما دامت العقول ذاتها التي صنعت الأزمة هي التي تقترح الحلول، وما دامت آلة الفساد تعمل بكامل طاقتها دون حسيب أو رقيب.
آن الأوان لوقف هذا النزيف، وإعلان حالة طوارئ زراعية تعيد الاعتبار للفلاح المغربي، وتقطع مع سياسات الاستيراد العشوائي، وتفرض رقابة صارمة، دون تحفظ، على من يتاجرون بقوت الشعب وصحته. إما أن نستعيد سيادتنا الغذائية ونحاسب الفاسدين، أو نستسلم لمستقبل نصبح فيه مجرد أرقام استهلاكية في سجلات الشركات العابرة للقارات، نقتات على ما يرميه الآخرون، وندفع الثمن من أعمارنا وكرامتنا.
خالد أخازي: كاتب وإعلامي







