في خطوة باتت تشبه طقساً قضائياً روتينياً، جددت المحكمة التجارية بالدار البيضاء، أواخر ماي الماضي، الإذن باستمرار نشاط شركة “سامير” لأربعة أشهر إضافية. ورغم أن القرار يستند نظرياً إلى مساعي الحفاظ على أصول المصفاة وعقود الشغل وتوفير بيئة ملائمة لجذب مشترٍ محتمل، إلا أن هذا المسار القضائي المحلي يحجب وراءه حقيقة أعمق يتجنب الكثيرون الخوض فيها.
فبعد مرور قرابة عقد على وضع الشركة تحت التصفية القضائية، يبدو أن توقيع قرارات التمديد لم يعد كافياً لتبديد مخاوف رأس المال، حيث يتوارى “فيل في الغرفة” يفسر هذا الجمود المزمن، ويتمثل في النزاع المفتوح أمام هيئات التحكيم الدولية الذي يلقي بظلاله الثقيلة على أي محاولة جادة لإنقاذ المصفاة الوحيدة في المملكة.
وتكشف مصادر مطلعة لـ”نيشان” أن تعثر مساطر التفويت لا يرتبط أساساً بتهالك المنشآت أو بغياب الجدوى الاقتصادية لقطاع التكرير في المغرب، بل يعود بالأساس إلى التوجس الشديد الذي يبديه المستثمرون الدوليون إزاء مآلات التحكيم الدولي المعروض أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) في واشنطن.
هذا النزاع، الذي حركته مجموعة “كورال” المملوكة للمالك السابق للمصفاة الملياردير السعودي “العامودي”، خلق بيئة قانونية ضبابية جعلت كبريات الشركات العالمية العاملة في مجال الطاقة تتردد في ضخ مليارات الدراهم في أصل تجاري لا يزال موضوع شد وجذب دولي، خوفاً من أي تداعيات أو تشابكات قانونية مستقبلية قد تنعكس على الوضعية الاستثمارية للمشتري الجديد، حتى وإن كان التفويت محلياً يتم تحت مظلة القضاء التجاري المغربي ومطهراً من الديون السابقة.
وفي هذا السياق، يوضح خبراء قانونيون واقتصاديون في حديثهم لـ”نيشان” أن رأس المال يتميز بحساسية مفرطة تجاه النزاعات السيادية المعقدة. فرغم التطمينات التي قد ترافق دفتر التحملات الخاص بالتفويت القضائي، فإن المستثمر الأجنبي يضع في حسبانه سيناريوهات صدور قرارات تحكيمية قد تخلق توترات بين الدولة المغربية والمالك السابق، مما قد يؤثر بشكل غير مباشر على المناخ العام لتشغيل المصفاة، أو يجر المشتري الجديد إلى دوامة من الاستجوابات أو الإجراءات المرتبطة بتعقيدات نقل الملكية دولياً.
هذا التخوف العميق يفسر الانسحابات المتكررة لعدد من التحالفات الاستثمارية التي أبدت اهتماماً مبدئياً في السنوات الماضية، قبل أن تتراجع فور تعمق فرقها القانونية في دراسة العبء الموازي للملف.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن الموقف المتصلب والحذر الذي تتخذه الحكومة، والذي يوصف على لسان الهيئات النقابية بـ”السلبي”، لا ينفصل عن هذه التعقيدات. فالأمر قد لا يكون مجرد تهرب من المسؤولية، بل هو انعكاس لانتظار وترقب رسمي لمخرجات هذا التحكيم الدولي وتكلفتها المحتملة. فصناع القرار المالي في البلاد يبدون غير مستعدين للتورط في التزامات جديدة أو اتخاذ خطوة كالتأميم في وقت لا تزال فيه الدولة تواجه معركة قانونية مفتوحة.
وبين مطرقة التحكيم الدولي في واشنطن وسندان التمديدات القضائية المتتالية في الدار البيضاء، تستمر الكلفة الاقتصادية في الارتفاع، وتتآكل أصول منشأة استراتيجية كان يُعول عليها لضمان الأمن الطاقي للمملكة، ليظل مصير “سامير” وعمالها معلقاً بانتظار حسم قانوني عابر للقارات يفك عقدة التفويت المستعصية.







