كشفت تفاصيل المذكرة التي رفعتها الفيدرالية الديمقراطية للشغل إلى رئيس وأعضاء مجلس المنافسة، عن حجم التقييدات القانونية التي يفرضها مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، مسلطة الضوء على ما تعتبره النقابة إقصاء ممنهجا لعدة فئات مهنية من مسالك الولوج البينمهنية، وعلى رأسها هيئة كتابة الضبط وموظفو الدولة المكلفون بالشؤون القانونية والمنازعات، إلى جانب تكريس تمييز كمي غير مبرر يمس بمبادئ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص المنصوص عليها دستوريا.
وتفيد الوثيقة الترافعية التي حصل “نيشان” على نظير منها، بأن الترسانة القانونية الحالية ومسودة المشروع الجديد تفرزان تناقضا تشريعيا يمنح الأجانب امتيازات تفوق تلك الممنوحة للمواطنين المغاربة.
وتوضح المذكرة أن التشريع المغربي يفتح الباب أمام المحامين الأجانب لممارسة المهنة داخل المملكة دون الخضوع لأي قيود عمرية، استنادا إلى مبدأ المعاملة بالمثل والاتفاقيات الثنائية، وتحديدا البروتوكول المتعلق بالمهن القضائية الحرة المبرم بين المغرب وفرنسا سنة 1971.
ويسمح هذا الأخير للرعايا الفرنسيين بالولوج إلى المهنة دون تمييز، حيث لا يشترط المشرع الفرنسي أي حد أقصى للسن، في حين يعمد مشروع القانون المغربي إلى تشديد الخناق على المغاربة بتخفيض السن الأقصى لاجتياز مباراة الأهلية إلى 40 سنة بعد أن كان محددا في 45 سنة، وهو ما ينتج حالة تمييز مباشر تتناقض مع الفصل الثامن من الدستور الذي يحظر كل أشكال التمييز.
وتشير الوثيقة ذاتها إلى خلاصات سابقة لمجلس المنافسة في تقريره السنوي لسنة 2013، والذي صنف قانون المحاماة المغربي كأحد أكثر الأنظمة تزمتا عالميا من حيث القيود الكمية المفروضة على ممارسة المهنة، مسجلا أعلى نقطة في فرض القيود مقارنة مع دول ديمقراطية أخرى.
وفي هذا السياق، تسجل النقابة استمرار “عقلية الانغلاق” رغم التوجيهات الملكية لسنة 2019 الداعية إلى انفتاح المهن الحرة وتحريرها من الاحتكارات، مؤكدة أن تقييد الولوج بشرط السن يمثل تدخلا في حق شخصي لا يشترط في الأنظمة المقارنة التي تعتمد حصرا على الكفاءة العلمية والمهنية، كفرنسا وبلجيكا وكندا والولايات المتحدة.
ولم تقتصر القيود على المترشحين لمباراة الأهلية، بل امتدت لتشمل أساتذة التعليم العالي في مادة القانون، حيث اشترط مشروع القانون الجديد ألا يتجاوز سنهم 55 سنة مع إلزامهم بقضاء فترة تمرين مدتها سنة كاملة بأحد مكاتب المحاماة. وتعتبر المذكرة هذا المقتضى تراجعا تشريعيا، مستدلة بالأنظمة الأجنبية التي تتيح للأساتذة الجامعيين الولوج المباشر للمهنة بناء على كفاءاتهم الأكاديمية دون قيود عمرية أو فترات تدريب إضافية، وهو الحق الذي يتمتع به الأستاذ الفرنسي وبموجبه يمكنه ممارسة المهنة في المغرب بفضل الاتفاقيات الثنائية، بينما يحرم منه نظيره المغربي.
وفي الشق المتعلق بالمسالك البينمهنية، تفكك المذكرة الترافعية التناقض الداخلي في مشروع القانون 66.23، حيث تنص المادة السابعة منه على إلزام المحامي المتمرن بقضاء أربعة أشهر من التدريب في الإدارات العمومية أو المؤسسات العامة ذات الصلة بالمهنة، وهو ما يمثل اعترافا صريحا بالتقاطع الميداني بين العمل الإداري القانوني والمحاماة. ورغم هذا الاعتراف، يقصي المشروع موظفي كتابة الضبط والموظفين المكلفين بالمنازعات بشكل كلي من الولوج، في الوقت الذي يسمح فيه بذلك لقدماء القضاة. وتدعو الفيدرالية في هذا الصدد إلى استلهام المادة 98 من القانون الفرنسي المنظم للمهنة، والتي تعفي الموظفين العموميين من الفئة “أ” الذين مارسوا مهاما قانونية لمدة ثماني سنوات من شهادة الكفاءة والتمرين، وتتيح لهم ممارسة المحاماة مباشرة.
وتلتمس المركزية النقابية في ختام مذكرتها من مجلس المنافسة إصدار توصية صريحة لرفع كافة القيود الكمية المتعلقة بالحد الأقصى للسن لاجتياز امتحان المحاماة، وإسقاط الشرط ذاته عن أساتذة التعليم العالي، مع المطالبة بإدراج موظفي مسلكي كتابة الضبط والمؤسسات العمومية المكلفة بالمنازعات ضمن مسالك الولوج البينمهنية، تكريسا لمبادئ المساواة والتنافس الحر وتكافؤ الفرص.







