الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تقترب من عتبة المائة يوم، دون أن تظهر مؤشرات جدية على نهايتها، رغم تصريحات دونالد ترامب المستمرة عن “اتفاق وشيك” مع الإيرانيين، حتى بتنا نشك أنّ هناك لخبطة في الحروف، وأن كلمة “وشيك” مشتقة من “الشوك” وليس من “الوشك”… لأن الوضع “شائك” فعلا، واشتعال الجبهة مجددا بين طهران وتلّ أبيب، رغم محاولات ترامب لكبح التصعيد، يؤكد أن “دخول الحمام ماشي بحال خروجو”، وهذه المواجهة لن تنتهي عما قريب، خصوصا بعد أن حركت إيران خطوط الجبهة، في محاولة لفرض معادلة جديدة، تنقل العقدة من مضيق هرمز إلى الضاحية الجنوبية من بيروت، في الوقت الذي وضعت فيه الحكومة اللبنانية يدها في يد إسرائيل برعاية أمريكية من أجل عزل “حزب الله”، وفصل لبنان عن إيران، جاءت رسالة طهران جريئة وواضحة حول وحدة الساحات: كلما استهدفت تل أبيب بيروت وضاحيتها، سيجري استهداف شمال إسرائيل. نتانياهو، طبعا، مجبر على الرد، رغم تحفّظ ترامب، كي ينقد مستقبله السياسي، مما يعقّد الوضع أكثر. عليك أن تكون ضليعا في التاريخ والجغرافيا والشطرنج والكولفازور كي تفهم ما يجري: إسرائيل قصفت الضاحية الجنوبية لبيروت، وإيران قصفت شمال إسرائيل، وإسرائيل قصفت إيران، والحوثيون قصفوا تل أبيب… وترامب مصر على عقد “صفقة”!
الجهل مصيبة. كان ترامب يعتقد أن الحرب على إيران مجرد نزهة قصيرة، سيذهب إليها مع صديقه نتانياهو، ويعود منها بالغنائم والنياشين، والعائدات الاقتصادية الضخمة، مثلما حدث مع فينزويلا، حيث حقق نصرا ماحقا، في عملية خاطفة، انتهت بخطف الرئيس نيكولاس مادورو ووضع اليد على أكبر احتياطي نفط في العالم. ثقافته المحدودة لم تمكنه من معرفة الفرق بين إيران وفينزويلا، ولم تسعفه في إدراك صعوبة الحرب مع عدو يمتلك عقيدة فولاذية، وجغرافيا شاسعة، وقدرة على الإضرار بالاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز. يبدو أن ترامب اكتشف ذلك بعد فوات الأوان، وهاهو يركّز كلّ جهده على إبرام اتفاق مع طهران، مثلما صنع باراك أوباما عام 2015، لكن بعد خسائر فادحة تكبدها الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وأضرار جسيمة تكبدتها حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. علما أن الرئيس الأمريكي دخل إلى الحرب ليحقق أربعة أهداف معلنة: تدمير البرنامج النووي الإيراني، تفكيك ترسانتها الصاروخيّة، القضاء على أذرعها في المنطقة، وتحرير الشعب الإيراني من قبضة النظام الإسلامي… لم يحقق منها هدفا واحدا، لحدّ الآن، وأصبح يتفاوض حول الإفراج على أموال إيران المجمدة وفتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا أصلا قبل بدء حملته العسكرية. تخلّى عن الخيار العسكري، وبات يفتّش عن “صفقة” !
ترامب حالة غير مسبوقة في السياسة الدولية، دمّر الدبلوماسية الكلاسيكية عن بكرة أبيها، وعوضها بسياسة “الصفقات”، أحال عشرات الدبلوماسيين المحنكين والسفراء المحترفين على البطالة، وعوضهم بأصهاره وأقربائه ورفاقه في ملاعب الغولف. التجار أخذوا مكان الدبلوماسيين، وأصبحت مهمتهم عقد الصفقات، مع جميع الدول والأنظمة، الصديقة والعدوة.
كل الملفات الشائكة يديرها صديقه المنعش العقاري ستيف ويتكوف وزوج ابنته جاريد كوشنير، بالإضافة إلى المنعش العقاري الآخر توم براك، سفير واشنطن في تركيا، والسفير الامريكي في باريس تشالز كوشنير، صهر ترامب، الذي رفض الامتثال مرتين لاستدعاء وزير الخارجية الفرنسي، بعد تصريحات اعتبرتها باريس مسيئة لسيادتها. أما السياسة الأمريكية في أفريقيا فقد وضعها بيد صهره الآخر، مسعد بولص، ذي الأصول اللبنانية الذي يملك شركة نقل في نيجيريا.
هؤلاء يمثلون الجهاز الدبلوماسي لترامب، بعد إبعاد الدبلوماسيين المحنكين، من بين 195 سفارة أمريكية في العالم، 115 بدون سفير، بما فيها دول استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية !
الرئيس الأمريكي أدخل “سياسة الصفقة” و”السلام عبر القوة” إلى العلاقات الدولية، ولكن بصمته السياسية الأكثر فرادة هي “هبل تربح”. الجميع يعتقد أنه يتفوه بحماقات في حواراته وتغريداته، لكنه يصنع ذلك عن قصد، كي يحقق غايات في نفس يعقوب. رغم الوضع الكارثي في الشرق الأوسط مازالت أسواق المال وأسعار البترول صامدة، بفضل سياسة “هبل تربح”، و”الاتفاق الوشيك”، رغم أنه طاح “طيحة خايبة” في المستنقع الإيراني، ولا يعرف كيف يخرج منه. العارفون بخبايا الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية حذروه من مغامرة محفوفة بالمخاطر، لكنه لم ينصت إليهم وأحاط نفسه بسماسرة العقار، والعائلة والمقربين و”بيّاعي العجول”. ترامب يريد أن ينتصر في حرب لم يتجرأ على خوضها أي واحد من الرؤساء الذين سبقوه. الأمريكيون يكرهون النظام الإيراني، ولديهم معه حساب تاريخي، منذ وصول الخميني إلى السلطة عام 1979 وحادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية التي دامت 444 يوما، لكنهم يعرفون أن المواجهة العسكرية معهم مجازفة غير محمودة العواقب، بسبب الجغرافيا والتاريخ. الجميع يتذكر محاولة جيمي كارتر تحرير الرهائن في أبريل 1980، التي انتهت بفشل ذريع، وجعلته يفقد منصبه في الانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان. الفرس أبطال في رياضة الشطرنج، واللعب معهم يتطلب نفَسا طويلا…
ما حدث لترامب في إيران يشبه قصة الأسد الذي كان القرد يستفزه باستمرار، وحين يلاحقه يستدرجه إلى حفرة، يسقط فيها الأسد على وجهه ويصعب عليه التحرك، ثم يهتك عرضه. وفي كل مرة يغير القرد الحفرة وتنجح الخطة، إلى أن أصيب الأسد بالإحباط، وأقلع عن ملاحقة السعدان، مهما استفزه، حرصا على مؤخرته. ذات يوم كان الأسد جالسا في عرينه مع أسرته الكريمة، وإذا بالقرد يقترب منهم ويرميهم بقشور الموز، وعندما لم يحرك الأسد ساكنا، ثارت اللبؤة ولامته على ذلك، فرد عليها: دعيه يفعل ما يريد سينصرف في النهاية، ثم إن قشور الموز غير مؤذية… لكن الزوجة غضبت، وتبعت القرد وهي تزأر، إلى أن اختفيا عن الأنظار. بعد ساعة، عادت اللبؤة وهي تمشي بخطوات متثاقلة ورأسها إلى الأرض. نظر إليها الأسد بإشفاق وسألها : “داك للحفرة؟”
هذا بالضبط ما وقع لترامب، اعتبر نفسه أذكى من كل الرؤساء السابقين، إلى أن وجد نفسه في “الحفرة”. القرد في القصة، طبعا، هو نتانياهو، الذي استدرج ترامب والإدارة الأمريكية إلى “الحفرة”، ومازال ينطّ في كل الاتجاهات !







