الحيوانات السياسية تعدت مفهوم قدرة الإنسان على صنع المجتمعات والمؤسسات السياسية، لتصل إلى تفعيل صورة الحيوان المتوحش الذي نزل إلى مضمار السياسة لفرض قانون الغاب. وتجددت أساليب الحيوان السياسي لتعكس تسلط من اكتسبوا حرفة احتلال الفضاء الانتخابي، ومن ثم، اكتساح القرار الاقتصادي والعقاري والزراعي، وفرض طرق جديدة لتغييب الكفاءات والثقافة والسياسة، وظهور نجوم تستهتر بكل ما سبق وتفتخر، وتغتني دون أن تستثمر وتنتج القيمة المضافة ومناصب الشغل.
أظن أن ارسطو ذلك الفيلسوف الكبير والذي شهدت صفحات التاريخ والحضارة على نبوغه وعلى إخراجه للفلسفة من براتين اليقين المطلق إلى مجالات الحقائق النسبية. ركزت عدة من الاجتهادات على اعادة قرآءة مآ وصل إليه ارسطو من مستوى رفع قيمة البحث عبر صياغة أسئلة خارج الحقيقة المطلقة، أو تلك التي تعلن في مقدماتها أن العقل يجب أن يدخل إلى مناطق تعطل فعله في حضور سلطة القول المطلق والقرار النهائي. أعلن أرسطو، علي غرار مدارس الاغريق، أن الإنسان يختلف عن باقي الكائنات في علاقاته مع بني الإنسان. وهكذا قال الفيلسوف، الذي امتلك أدوات ومفاتيح الدخول إلى فضاء الحكمة، أن الإنسان حيوان سياسي. ويجب التذكير بأن ” السياسي” كمفهوم يرتبط بجدور تجمع البشر في مدينة، ترتبط بكلمة ” سيتي” اللاتينية، والتي أشتقت منهآ كلمات منها كلمة أو مفهوم ” سياسة “. وحتى لا نحمل الفيلسوف ما فعل البشر بالسياسة، وجب التأكيد على أن الإنسان هو مصدر الخير والشر على هذه الأرض، وليس من فكر في تعايش داخل مدينة فاضلة، أو على الأقل متوازنة في ضمان حقوق من يعيشون في فضاءها.
كان لزاما أن يتم التذكير بالمفهوم قبل استدعاء الحيوان لمناقشة فعل الحيوانات في حاضرنا السياسي والحقوقي والإقتصادي والإجتماعي. أكاد أنسى أن الحيوان السياسي يحيل إلى قيم التساكن خارج محيطات الهمجية والاستبداد وإستغلال الإنسان للإنسان. حاولت بعض احزابنا السياسية أن تتيمن بصور الحيوانات خلال حملات سياسية أو انتخابية. تم استدعاء الفرس من طرف حزب ” إداري ” كلف بتدبيره راحلان من ماضي الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهمآ المعطي بوعبيد وعبد اللطيف السملالي. واختار حزب صهر الملك الراحل. الحسن الثاني، أحمد عصمان، صورة الحمامة التي تستغل القدرة على التحليق للتحلل من أي ارتباط بما تفرضه الحياة السياسية على من لهم علاقة بالأرض. إختار من تم اختياره لقيادة حزب أحرار عصمان أن يطير لينفي أن حزبه يوجد في قلب الحكومة منذ سنة 2008. وتتنكر الحمامة لكل محطاتها التي احتضنتها قبل سنة 2021. قبلت الحمامة بتحمل أكبر الوزارات، وقبلت كذلك بتدبير ملايير التنمية القروية، والإقتصاد والمالية والصناعة والتجارة، ثم قيل لهآ أن تتنكر لمآ قبل 2021. وهكذا أجبر الحيوان السياسي الحمامة، وهي رمز السلام، على أن تتنكر لاعطاب للمغرب الأخضر، والتنمية القروية. والسياحة للمغاربة، والصحة للجميع. فأصبحت الحمامة عنوانا للتنكر لسنوات مسؤوليتها قبل 2021. اختارت الأحزاب الصغرى كثيرا من الحيوانات الأليفة كالجمل والدنيا والديك، ولم تترك النحلة تنتج عسلها بعيدا عن السياسة.
حاول الأسد أن يلبس قناع الإنسان كحيوان سياسي. مارس الزئير على غير العادة، فقال له شبله الذي اختاره، أن الأسد يخطأ إذا تجاوزت نسبة ضعف قدراته ما هو متعارف عليه في الادغال. ” فدخل الأسد سوق رأسه”، ولكن سوء التقدير سبب له الإعتراف بأن الإنسان حيوان سياسي يشبه كل الحيوانات بإستثناء الأسد. ثم سيطرت كثير من الضباع والثعالب على المشهد. أصبح الحيوان السياسي يعمل بكل ما اؤتي من انياب ومخالب لافتراس المجتمع في غابة من دخلها مفقود، ومن تحرر من مخالبها مولود. تزداد جرأة المفترسين قوة رغم آثار الجريمة العقارية والطاقية والفلاحية. وإذا ما اشتكى الضحايا ينعتهم الحيوان السياسي بالفاشلين عن تمنيع أنفسهم بالقناعة وقبول الفقر كقدر محتوم. وتزداد الحيوانات السياسية عددا وعدة لكي تدافع بقوة عن العرين من أقصى الغابة إلى أقصاها. وكلما اقتربت الانتخابات، تزداد حيل الحيوانات السياسية للسيطرة على ما تعتبره قطيعا مهما بلغت نسبة وعيه بمخالفة قانون الغاب لقانون المدينة. سيزداد مؤشر تركز الثروة لدى أقلية تستفيد من مواقع صامدة في عدد كبير من القطاعات التي تبيض ذهبا واحجارا كريمة جداً. وستزيد الفوارق الاجتماعية لتؤكد أن السياسات الاقتصادية القطاعية والعمومية تنخرها أساليب إقتصاد الريع المسنودة بضعف حكامة أكد عليها مضمون تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد.
سنفيق في أكتوبر المقبل على شعور بالفشل في مواجهة الحيوانات السياسية التي تروض كل من حاول الحد من سيطرتها على الأرض وما تحتها، وما فوقها. ستستمر تلك الانياب الكبرى تفعل فعلها في اللحوم والخضر والفواكه، وستقسم بمبادىء قانون الغاب أن الأسعار ستحافظ على مستوياتها الحالية. وسنظل نتمنى ان تتزامن امطار الخير مع تراجع الأسعار وانهيار معدلات التضخم. وسيأتي وزراء الغد والمطبلين لهم لكي يجددوا خطاب الكذب، واعتبار من يواجههم بالحجة من طوابير العدمية. ستزيد درجات البلطجة السياسية لمحاولة قمع من طالب باحترام الدستور. وسيعتبر كل من يناضل من أجل الشفافية والمحاسبة ومحاربة الاغتناء السريع وغير المشروع من الخارجين عن القانون. نعم أقر واعترف ان غياب المحاسبة سيزيد من درجة اليأس لدى فءات عريضة من المواطنين. ورغم ما سبق لا زال المغربي يؤمن بأن الفرج قريب، وأن وصوله سيمر عبر سيادة القانون، وليس عبر صناعة القاعدة القانونية على مقاس أقلية من المستفيدين. شراسة الحيوانات السياسية لن تقضي عليها المواعظ والخطابات، ولهذا يظل تفعيل الدستور بارادة سياسية هو المدخل.







