فجّر قرار منع الجلوس والمشي فوق المساحات العشبية بكورنيش الرباط موجة انتقادات متصاعدة، أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول كيفية تدبير الفضاءات العمومية بالعاصمة، وحدود التوازن بين حمايتها وضمان حق المواطنين في الولوج إليها.
القرار، الذي جاء بشكل مفاجئ بالنسبة لعدد من المتتبعين، اعتبره فاعلون مدنيون خطوة تضييقية تمس بشكل مباشر الفئات الهشة، التي تجد في هذه الفضاءات متنفسها اليومي الوحيد، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الترفيه وغياب بدائل مجانية.
وفي هذا السياق، يرى الفاعل الجمعوي عبد الواحد زيات أن منع المواطنين من استعمال العشب “لا يستحضر الواقع الاجتماعي لفئات واسعة”، موضحاً أن هذه المساحات لم تكن مجرد عنصر جمالي، بل فضاءً حيوياً للأطفال وكبار السن وأسر لا تملك خيارات أخرى. ويعتبر أن اللجوء إلى المنع الشامل يعكس مقاربة “سهلة” بدل البحث عن حلول تقوم على التنظيم والتوعية وإشراك المجتمع المدني.
ويذهب زيات أبعد من ذلك، معتبراً أن القرار يكرّس نوعاً من التفاوت غير المعلن في الولوج إلى الفضاءات الخضراء، حيث يظل الأثرياء قادرين على الاستفادة من فضاءات خاصة، بينما يُحرم منها المواطن البسيط، وهو ما يفاقم، بحسب تعبيره، الإحساس بـ“القهر الاجتماعي”.
من جانبه، عبّر المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي عمر الحياني عن استغرابه من خلفيات القرار، واصفاً إياه بغير المفهوم، خاصة وأن هذه الفضاءات تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من الحياة اليومية للساكنة، خصوصاً في فترات الحر.
الحياني استحضر أيضاً سياقاً أوسع يتعلق بسياسة تهيئة المساحات الخضراء بالرباط، مذكّراً بالجدل الذي رافق تعميم العشب الطبيعي في المدينة، وما أثاره من انتقادات بسبب كلفته المائية المرتفعة في ظل توالي سنوات الجفاف. وأشار إلى أن السلطات استثمرت لاحقاً مبالغ كبيرة في مشاريع إعادة تدوير المياه لسقي هذه المساحات، ما يجعل قرار إغلاقها اليوم أمام المواطنين يطرح أكثر من علامة استفهام.
وفي قراءته للقرار، يطرح المتحدث فرضيات متعددة، من بينها الرغبة في الحفاظ على العشب، لكنه يؤكد أن ذلك لا يبرر المنع المطلق، مقترحاً بدائل عملية مثل إغلاق مؤقت لبعض المقاطع أو تعزيز الصيانة والمراقبة بدل حرمان الجميع.
كما شكك في تبرير القرار بوجود سلوكات غير حضارية، معتبراً أنها تظل حالات معزولة يمكن معالجتها بآليات تأطيرية، وليس عبر قرارات جماعية قد تبدو عقابية في حق عموم المواطنين.
ويحيل هذا الجدل، بحسب متتبعين، على سؤال أعمق يتعلق بطبيعة المدينة التي يُراد تكريسها: هل هي فضاءات مفتوحة تعج بالحياة وتخدم ساكنتها، أم واجهات جمالية “مُؤطرة” تركز على الصورة أكثر من الوظيفة الاجتماعية؟
وكانت عدد من الفعاليات قد دعت إلى مراجعة القرار، بما يضمن الحفاظ على المساحات الخضراء دون المساس بحق المواطنين، خاصة الفئات محدودة الدخل، في الاستفادة من فضاءات يفترض أنها وُجدت أساساً لخدمتهم.







