عاد ملف الصحراء إلى واجهة الاهتمام الدبلوماسي الدولي، بعد دعوة أطلقتها الإدارة الأمريكية لاستئناف الحوار بين مختلف الأطراف المعنية بالنزاع، في خطوة تعكس عودة واشنطن إلى الانخراط في واحد من أكثر الملفات تعقيداً في منطقة المغرب العربي.
وفي تقرير نشرته مجلة “جون أفريك” الفرنسية، اعتبرت أن الدعوة التي وجهها، في 10 يونيو الجاري، مستشار الرئيس الأمريكي المكلف بالشؤون الإفريقية، مسعد بولس، لاستئناف المفاوضات “بشكل عاجل”، تشكل مؤشراً على رغبة أمريكية في إعادة تحريك مسار ظل يراوح مكانه خلال الأشهر الأخيرة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن الإدارة الأمريكية كانت تعول خلال الأشهر الأولى من السنة الجارية على تحقيق تقدم دبلوماسي في الملف، غير أن التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها انشغال واشنطن بملفات أخرى، ساهمت في تأجيل أي اختراق ملموس على مستوى المفاوضات.
وترى “جون أفريك” أن التحول الأبرز في مسار القضية خلال السنوات الأخيرة يعود إلى القرار الذي اتخذته الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب سنة 2020، والقاضي بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، في إطار اتفاقات استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل.
واعتبرت المجلة أن هذا القرار شكل نقطة تحول مهمة في التعاطي الدولي مع الملف، بعدما انتقلت عدة دول خلال السنوات اللاحقة إلى تبني مواقف أقرب إلى الطرح المغربي.
وفي هذا السياق، أشارت إلى الموقف الإسباني الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 “الأساس الأكثر جدية ومصداقية” لتسوية النزاع، قبل أن تلتحق به دول أخرى من بينها ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإسرائيل، وفق ما أورده التقرير.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات عززت الحضور الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، ورسخت موقعها كمرجعية أساسية في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ورغم التحولات الدبلوماسية التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة، تؤكد “جون أفريك” أن النزاع ما يزال يواجه صعوبات كبيرة تحول دون الوصول إلى تسوية نهائية.
وتعزو المجلة ذلك إلى استمرار تباعد المواقف بين مختلف الأطراف، حيث يتمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، في حين تواصل جبهة البوليساريو الدفاع عن خيار تقرير المصير، بينما تواصل الأمم المتحدة الدعوة إلى حل سياسي متوافق عليه بين الأطراف.
وبحسب التقرير، فإن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم سنة 1991 أوقف المواجهات العسكرية، لكنه لم ينجح في حسم الإشكالات المرتبطة بالوضع النهائي للإقليم، وهو ما جعل جهود التسوية تصطدم باستمرار بخلافات مرتبطة بآليات الحل وشروط تنفيذه.
كما نقلت المجلة عن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، تأكيده أمام مجلس الأمن أن “نافذة الفرص لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية”، في إشارة إلى الحاجة الملحة لإحياء المسار السياسي.
وتذهب “جون أفريك” إلى أن قضية الصحراء تجاوزت منذ سنوات بعدها الترابي لتصبح أحد المحددات الرئيسية للتوازنات السياسية والإستراتيجية في منطقة المغرب العربي، خاصة في ظل استمرار القطيعة الدبلوماسية بين المغرب والجزائر منذ سنة 2021 وإغلاق الحدود البرية بين البلدين منذ عقود.
ومع ذلك، يلفت التقرير إلى أن استمرار الخلاف السياسي لا يعكس بالضرورة طبيعة العلاقات بين الشعبين المغربي والجزائري، مشيراً إلى أن الروابط الثقافية والاجتماعية والإنسانية بين الطرفين ما تزال قائمة رغم التوترات السياسية.
واستشهدت المجلة بعدد من المشاهد التي برزت خلال نهائيات كأس العالم 2022، والتي أظهرت مظاهر تعاطف ودعم متبادل بين جماهير من البلدين، معتبرة أن الخلاف القائم يرتبط أساساً بتباين المواقف السياسية والدبلوماسية أكثر من ارتباطه بوجود قطيعة بين المجتمعات.
وخلصت “جون أفريك” إلى أن ملف الصحراء، وبعد نحو خمسين سنة من اندلاعه، ما يزال يمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المنطقة، في ظل غياب توافق سياسي قادر على إنهاء حالة الجمود التي طبعت مسار التسوية طوال العقود الماضية، رغم التحولات المتسارعة التي شهدها المشهد الدبلوماسي الدولي خلال السنوات الأخيرة.







