يعيش العالم اليوم، بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، على إيقاعات متعددة ومتسارعة يفرض فيها التقدم التكنولوجي البحث وتوفير البيئة المناسبة لازدهاره؛ فالمدن ،الكبرى منها خاصة أصبحت، في الوقت الحاضر باعتبارها المجالات الرئيسية في إنتاج الثروة والمحرك الأساسي للتنمية، لا سيما في القطاعات الاقتصادية والتجارية، تعرف هيكلة جديدة تستأثر باهتمام الباحثين بسبب التمدد العمراني الذي تشهده، وتوسعها على حساب مجالات أخرى كالمجال الزراعي الذي يعتبر أكبر المتضررين منها خاصة بالنسبة للبلدان التي تعتمد على القطاع الفلاحي كالمغرب. إن ظاهرة التوسع العمراني مفهوم متعدد الوجوه، يشير إلى تمدد مدينة ما وضواحيها على حساب الأرياف المحيطة بها، الشيء الذي يؤدي إلى تطوير المناطق القروية المجارة للمدن الكبيرة تدريجيا وزيادة كثافتها السكانية والمساهمة في الرفع من مستوى الخدمات.إن هذا “الزحف العمراني”على الأراضي الزراعية يعتبر مشكلة عالمية تعاني منها جميع دول العالم، الفقيرة منها والغنية، وتعاظم هذه الظاهرة مع بداية القرن 21 أفرز الكثير من الإشكاليات التي تؤرق اليوم بال المخططين وصناع القرار، بقدر ما تهدد استقرار ومستقبل البشرية، حيث باتت تهدد 110 دولة في العالم وأن ما يزيد عن 1.9 مليار هكتار من أراضي العالم مهددة بالتصحر!؟ وبالولايات المتحدة الأمريكية مثلا (خلال الفترة 1972 و2000) فقدت ولاية نيويورك قرابة 200 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، مما يستوجب على الدول أن تبادر إلى التخطيط العلمي والاستراتيجي للحد من الآثار السلبية على البيئة والأنظمة الحيوية المحيطة بالتجمعات السكنية. إن الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن في تناقص مستمر كنتيجة لامتداد العمران فوقها ويمارس النمو الديموغرافي ضغوطا متزايدة على المجالات الفلاحية وكذلك التزايد الناجم عن الهجرة القروية إلى المدن، حيث أن زيادة السكان تؤدي إلى زيادة الطلب على الأرض لأغراض السكن والخدمات الأخرى (الاقتصادية والاجتماعية …). وتلعب وسائل المواصلات دورا مهما في زحف العمران على الأراضي الزراعية من خلال شق الطرق وإقامة الأنشطة التجارية على جوانبها إضافة إلى غياب التخطيط السليم مما يعمق الأزمة. وبالمغرب، أبرز التحولات التي عرفها منذ الاستقلال هو التطور السريع لحركة التمدين والارتفاع المتوالي لعدد ساكنة المدن، حيث انتقلت نسبة الساكنة الحضرية من 5% سنة 1900 إلى 55% سنة 2004( تضاعفت حوالي 11 مرة) حيث كان المغرب بلدا قرويا بامتياز في السنوات الأولى للاستقلال (%70 سنة 1960). كما جاء في كتاب “ريمي لوفو” الفلاح المغربي مدافع عن العرش( 1976 )، حيث تدخل الدولة في تسيير المجال القروي كان يتم بواسطة الأعيان والنخب. لكن التمدين (التحضر) في المغرب بلغ 62.8% سنة 2024، (نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، المندوبية السامية للتخطيط). يمثل هذا الرقم ارتفاعاً مقارنة بـ 60.4% ( عام 2014)، مما يعكس استمرار الزحف العمراني وتمركز السكان في المناطق الحضرية، حيث تضم المدن السبع الكبرى( الدار البيضاء، طنجة، فاس، مراكش، سلا، مكناس، والرباط ) 37.8% من ساكنة المدن. تغذيها ظاهرة الهجرة القروية المحتدمة في اتجاه الحواضر وأن هناك تراجعا كبيرا في نسبة الساكنة القروية خلال عشر سنوات (1994 – 2004) حيث انتقلت من 49% إلى 45%،و كانت توقعات صندوق الأمم المتحدة للسكان ( FNUAP) تشير إلى أن سنة 2025 ستبلغ الساكنة المغربية حدود 39 مليون نسمة وسيكون نصيب القرويين منها14 مليون نسمة، الشيء الذي يؤدي إلى إفراغ القرى من سكانها نحو المراكز الحضرية وعدم قدرة هذه الأخيرة على امتصاص الكتل البشرية المتدفقة عليها وإفراز ظاهرة أحزمة البؤس حول المدن وما يرافق ذلك من اختلالات اجتماعية واقتصادية.. ؟ فالهجرة تغذيها عدة عوامل كثيرة لعل أبرزها الفقر، فحسب الإحصاء العام للفلاحة سنة 1996 تشكل الساكنة ذات الدخل الضعيف 5.7 مليون نسمة أي حالي 43% من الساكنة القروية، هذه الإحصائيات رغم قدمها إلا أنها تمثل أرضية لتحليل عدة ظواهر تعاني منها القرى المغربية لأنها كانت أكثر شمولية وهمت سكان البوادي، كما أنه منذ ذلك التاريخ لم يطرأ أي تغيير يذكر بخصوص المعطيات حول البادية المغربية، كما تؤكد هذه الإحصائيات أن ⅔ الساكنة الفقيرة تعيش في إطار استغلاليات صغرى( micro-exploitations) أي أقل من 3 هكتارات في المناطق البورية ودون هكتار واحد في المجالات المسقية، والباقي(⅓) من دون أرض، ( حيث انتقلت حصة الفرد من الأراضي الزراعية بجهة الغرب مثلا ما بين سنة 1994 و2004 من 0.56 هكتار إلى 0.52 هكتار) الشيء الذي يؤكد أن هناك ضغطا حقيقيا غلى المجال الزراعي، وتبقى الخيارات للذين لا يملكون أرضا ،إما الاشتغال عند الغير كأجراء أو الهجرة نحو المدن بحثا عن مستوى عيش أفضل. وتؤكد الإحصائيات كذلك أن 70% من القرويين ينفقون أقل من ثلاثة آلاف درهما في السنة ونسبة الأمية تصل إلى 70% وتراجع وتيرة النشاط الفلاحي بسبب التغيرات المناخية(الإجهاد المائي الناتج عن الجفاف و……) ونقص التجهيزات السوسيو اقتصادية .. كل هذه العوامل أصبحت تشكل عائقا أمام تنمية الأرياف وتطرح أكثر من أي وقت مضى الحاجة إلى تبني سياسة مندمجة تهدف إلى تأهيل المجالات القروية والرفع من المستوى المعيشي للساكنة في إطار التنمية المستدامة.إن ظاهرة الهجرة والتزايد الديمغرافي واتساع مساحة المدن، ليست هي السبب الوحيد للتوسع العمراني، بل هناك أسباب أخرى، منها ما هي اجتماعية كرغبة بعض سكان المدن بحثا عن الهدوء، في السكن بضواحي المدينة، يقتطعون مساحات معينة ويقيمون عليها مساكن ترفيهية فقط دون الاستفادة منها في الزراعة. وهناك العامل المادي حيث ارتفاع ثمن الأرض يغري أصحابها، بفعل جشع المضاربين، إلى بيعها بأثمان مرتفعة لا سيما إذا كانت محادية للمدارات الحضرية (أراضي الجماعات السلالية كمثال)، وتحولهم إلى مزاولة أنشطة غير فلاحية. كذلك فإن السياسة الدولة لها دور فاعل عملية التوسع العمراني عندما يستوجب الأمر حصول توسع للمدن وإقامة مشروعات صناعية أو خدماتية على حساب تقلص المساحة الزراعية التي تمتصها هذه المشروعات..! هذا التطور أدى إلى تحول عميق وحاسم في جغرافية السكان والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا وأصبحت ظاهرة التمدين معطى بنيويا في تطور المجتمع والاقتصاد الوطني. إن التوسع العمراني على حساب المجالات الفلاحية له انعكاسات كبيرة وعبئا ثقيلا عليها حيث تتناقص الأراضي المخصصة للزراعة والأنشطة الفلاحية (الرعي وتربية الماشية وغيرها…)، مما يؤدي إلى نقص الإنتاج ومن تم تهديد الأمن الغذائي للبلاد، حيث يقدر الفارق بين متوسط النمو الديمغرافي( 3% سنويا) ومتوسط نمو الإنتاج بالقيمة القارة( 2% سنويا) وانتقل معدل تغطية الواردات بالصادرات خلال 30 سنة الأخيرة من 95% إلى 20%، مما يعمق أزمة التبعية الغذائية للخارج…؟! إضافة إلى خطر التصحر والقضاء على الغطاء النباتي والمساحات الخضراء المحيطة بالمدن ( يفقد المغرب سنويا ما يقارب 30 ألف هكتار من الغابات، كغابة المعمورة ، حيث تراجعت مساحتها من 133 ألف هكتار سنة 1953 إلى 60 ألف هكتار سنة 1992، ولا شك أن هذه المساحات لازالت في تناقص مستمر) مما يهدد بالنظام الايكولوجي..! حيث يؤدي التوسع العمراني السريع وغير المخطط إلى الضغط على الموارد الغابوية وفقدان التنوع البيولوجي، إضافة إلى المقذوفات الصناعية والمنزلية وتدهور المنظومات البيئية الساحلية وتخريب الكثبان الرملية) والإخلال بالتوازن المناخي المحلي (تلوث الهواء والماء )و استنزاف الفرشة المائية وهشاشة السواحل لضعف حمايتها (القانون رقم 81.12 )
ولذا، أصبحت السلطات العمومية ملزمة باتخاذ تدابير حاسمة وتخطيط سليم لإيقاف هذا الزحف على المجال الفلاحي وذلك من خلال وضع سياسات تتعلق بإدارة واستخدام الأراضي داخل المدن وما حولها وتأخذ بعين الاعتبار امتداد ونمو التجمعات السكنية وسن قوانين تنظم حدود المدن، وكذلك العمل على الحد من الامتداد الأفقي للعمران على حساب الأراضي الزراعية والتوجه نحو البناء العمودي ، والتفكير في إقامة مدن فلكية ( villes satellites) ككثير من الدول، للتغلب على أزمة السكن، والتحكم في الوعاء العقاري؛ يجب كذلك تفعيل بصرامة قانون التعمير12.90 وتقوية دور الجماعات الترابية في مسلسل إعداد وثائقه وعدم التساهل مع المخالفين والتنزيل الجيد لتصاميم التهيئة(P. D’Aménagement) والتي تعتبر وثيقة مرجعية حاسمة لتأطير المجال الحضري المستقبلي للمدينة (ضوابط البناء، واستعمالات الأراضي، وتخطيط الشبكة الطرقية وبرمجة الفضاءات العمومية والمساحات الخضراء، بما يتماشى مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية.. ). وتصاميم التنطيق (P Zonage) التي تمكن من دراسة تخصيص وإقامة المنشآت الصناعية بعيدة عن المساحات الزراعية والتقليل من اللجوء إلى ممارسة سياسة الاستثناءات(dérogations)، وتوجيه التوسع الحري المستقبلي إلى مناطق غير منتجة بتنسيق بين مختلف مستويات التخطيط، وطنيا وجهويا ومحليا. كما يجب فرض أحزمة خضراء حول المدن ومواكبة التحولات المجتمعية التي تعرفها وبالخصوص فيما يتعلق بحركية السكان ، وعدم منح رخص البناء فوق الأراضي الزراعية، لأنه يمنع القيام بعمليات من شأنها تقليص مساحات الأراضي الفلاحية،لا سيما تلك الواقعة داخل دوائر الري،إلا بإذن من وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات (الظهير الشريف رقم 1.69.29 بتاريخ 10 جمادي الأول 1389 ،25 يوليوز 1969، المتعلق بالحد من تجزئة الأراضي الفلاحية)، وهو رهان مخططات الوزارة (المغرب الأخضر.والجيل الأخضر…و). واعتماد الخرائط الفلاحية ( المناطق ذات المردودية العالية)، من قبل الجهات المختصة في التخطيط العمراني ، كأدوات مرجعية لتوجيه القرارات المرتبطة بالمصادقة على وثائق التعمير،بهدف عدم التضحية بالأراضي الزراعية المنتجة لصالح التوسع الحضري، خاصة تلك الواقعة في مناطق التداخل بين المدن والمجالات الزراعية (القانون التنظيمي 131.12 المتعلق بالجماعات الترابية الذي يهدف إلى ملائمة التقسيم الإداري مع متطلبات الجهوية المتقدمة) في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى الحفاظ على الرصيد العقاري الفلاحي وعلى القدرات الإنتاجية الفلاحية وتعزيز الأمن الغذائي لتحصين اقتصاد البلاد من الهزات والصدمات الخارجية.
إن التوسع العمراني المتسارع وغير المضبوط يؤدي إلى توسعات غير قانونية، كمدن الصفيح والسكن العشوائي…. الذي يعتبر أكثر هيمنة ونشاطا ويشكل أكبر تحد للتدخلات الهادفة إلى الحد من التوسع العمراني.. !؟ إن الهدف من هذه المساهمة حول التوسع العمراني واستنفاذ مساحات كبيرة من المجال الفلاحي لا تعني وقف هذه الظاهرة، بقدر ما تسلط الضوء على خطورتها وتحث السلطات العمومية وصناع قرارات تدبير الأراضي إلى التوجه نحو الأراضي الخارجة عن الاستعمالات الزراعية التي تعتبر المحرك الأساسي للتنمية والاقتصاد الوطني والحد من التدهور الناتج عنها، مما يحتم التفكير في مضمون مؤسساتي وقانوني للساسة العقارية تأخذ بعين الاعتبار توجهات إعداد التراب والتخطيط الحضري، تخطيط مستدام يوازن بين احتياجات السكن وحماية البيئة. في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى الحفاظ على الرصيد العقاري الفلاحي وضمان استدامة الموارد الطبيعية.
ظاهرة التوسع العمراني.. وتدهور المجال الزراعي والبيئي







