في الأعراف السياسية الكونية، تُقاس قوة الأحزاب بقدرتها على إنتاج الأفكار، ونزاهة قياداتها، وولائها لبرامجها التنموية. لكن في المشهد السياسي المغربي الحالي، يبدو أننا أمام “هندسة مقلوبة” ومفهوم مشوه للريادة؛ فالأحزاب التي تُصنف اليوم على أنها “قوية” و”أغلبية مسيرة”، هي تقريباً تلك الهيئات التي برعت في تطويع القوانين لخدمة النفوذ المالي، والوقوف سداً منيعاً ضد أي تشريع يهدد مصالح “مليارديرات السياسة”.
فلم يعد “المناضل المثقف” أو “التكنوقراطي النزيه” هو الماكينة المحركة داخل التنظيمات الحزبية الكبرى؛ بل أصبحت القوة تُقاس بمدى التغلغل وقدرة الحزب على حماية أتباعه من المتابعات القضائية في قضايا جرائم الأموال واستغلال النفوذ.
و لم تعد غالبية الأحزاب تولي أي أهمية للفكرة و البرنامج و التوجه، بل تم تسييد الأمية و الجهل و الشعبوية و الترحال، حتى صار المشهد متخما بساسة ملهوطين بلا فكر و لا احترام من لدن الرأي العام، و يا للحسرة على زمن مضى، كانت فيه الأحزاب تعج بالأطر الكبيرة و الأسماء الوازنة.
ولعل التجلي الأبرز لهذه “القوة الحمائية” هو ما شهدناه في المسار التشريعي ببلادنا، حين سارعت الحكومة الحالية إلى سحب تعديلات القانون الجنائي من البرلمان، وفي عمقها مقتضيات “تجريم الإثراء غير المشروع” (مبدأ “من أين لك هذا؟”). هذا السحب لم يكن مجرد إجراء مسطري، بل كان إشارة سياسية واضحة ومؤشراً على أن أحزاب الأغلبية ترفض وجود آليات قانونية صارمة تطوق ثروات “الأعيان” و”الفراقشية” الذين يضمنون لها المقاعد والانتصارات الانتخابية.
تستمد هذه الأحزاب قوتها من تحالف هجين بين الإدارة و”أعيان الانتخابات” ومليارديرات السياسة، عوض الارتكاز على الامتداد الشعبي الحقيقي. لقد تحولت التزكيات الحزبية إلى “سلع” تُمنح لمن يملك “الشكارة” والقدرة على حشد الأصوات عبر شبكات المصالح الضيقة.
هذا الزواج الكاثوليكي بين المال والسياسة أنتج نخبة تشريعية ومسؤولين يجدون أنفسهم في حالة دائمة من “تضارب المصالح”، حيث تصبح حماية الاستثمارات الخاصة وتوسيع الثروات الشخصية لرموز هذه الأحزاب هي الأولوية القصوى، على حساب تطلعات المواطن البسيط.
ان النتيجة الحتمية لسيطرة “أحزاب الأعيان والشكارة” تظهر جلية تحت قبة البرلمان، الذي تحول في محطات كثيرة من حصن للدفاع عن الشعب إلى منصة لشرعنة ضرب قدرته الشرائية وحقوقه الأساسية، و حماية المفسدين من القانون، و توزيع المال العام على الفراقشية تحت عنوان الدعم!
وأقرب دليل على ذلك هو الصراع المحموم والارتباك الذي شهده البرلمان (خاصة في مجلس المستشارين) حول مقترحي قانونين حيويين تقدمت بها نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل المحسوبة على تحالف اليسار: تأميم مصفاة “لاسامير” وتسقيف أسعار المحروقات. ففي الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة الغلاء، تحركت الآلة العددية للأغلبية لتجهض هذه المقترحات وتجهض معها آمال المغاربة في مصفاة وطنية تضمن السيادة الطاقية، وفي سقف عادل لأسعار الوقود يحميهم من جشع شركات التوزيع. إن إسقاط هذه القوانين يوضح بالملموس كيف تُستغل “الأغلبية العددية” لحماية مصالح لوبيات المحروقات والمال على حساب جيوب المواطنين.
إن “القوة” التي تتبجح بها الأحزاب التي تسمى ظلما بالكبرى في المغرب اليوم هي قوة هشة ومغشوشة، لأنها لا تنبع من تعاقد أخلاقي أو برنامج تنموي حقيقي، بل من تحالف نفعي يحمي الامتيازات ويهرب من المحاسبة. إن سحب قانون الإثراء غير المشروع وإسقاط قوانين تسقيف المحروقات وتأميم “لاسامير”، ليست سوى أدلة دامغة على أن أحزاب “الشكارة” أصبحت وظيفتها الأساسية هي حماية الأقوياء مالياً و فراقشية المال العام، وترك الشعب وحيداً في مواجهة تغول الأسعار ومقصلة القوانين المجحفة.







