أعاد الحجز التنفيذي على الحساب البنكي لمجلس المنافسة لدى الخزينة العامة للمملكة الجدل حول تفعيل ما يعرف قانونا بـ”حق الرجوع”، وهو المقتضى الذي يتيح للدولة استرداد التعويضات التي تؤديها بسبب أخطاء شخصية جسيمة ارتكبها مسؤولون عموميون، وذلك في وقت تواجه فيه المؤسسة تبعات مالية وقضائية مرتبطة بنزاع مع إحدى أطرها السابقة.
وتعتبر مصادر قانونية تحدثت لـ”نيشان” أن هذه القضية تشكل نموذجا عمليا لاختبار مدى استعداد المؤسسات العمومية لتفعيل هذا المبدأ القانوني، خاصة عندما تكون التعويضات المحكوم بها ناتجة، بحسب هذه القراءة، عن قرارات إدارية أثبت القضاء عدم مشروعيتها أو عن امتناع عن تنفيذ أحكام قضائية نهائية.
ويأتي هذا النقاش عقب لجوء موظفة سابقة بمجلس المنافسة إلى مسطرة الحجز على الحساب البنكي للمؤسسة من أجل استخلاص تعويضات قضت بها المحاكم لفائدتها بعد مسار قضائي امتد على عدة مراحل. وتعود بداية النزاع إلى سنة 2023، حين طعنت المعنية بالأمر في قرار نقلها إلى منصب آخر اعتبرته تعسفياً، قبل أن تقضي المحكمة الإدارية بالرباط بإلغاء القرار.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الخلاف لم يتوقف عند حدود قرار النقل، بل تطور إلى نزاع قضائي آخر انتهى بصدور أحكام قضائية لفائدة الموظفة السابقة، قبل أن تتوج إجراءات التنفيذ بالحجز على الحساب البنكي للمجلس لاستخلاص المبالغ المحكوم بها.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة التساؤلات المرتبطة بمدى تحمل المال العام لكلفة القرارات الإدارية التي تفضي إلى أحكام وتعويضات مالية، وما إذا كان من الواجب ترتيب المسؤولية الشخصية للمسؤولين الذين يثبت ارتكابهم أخطاء جسيمة منفصلة عن السير العادي للمرفق العام.
وفي هذا السياق، يستحضر متابعون للشأن القانوني المواقف التي عبر عنها محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، خلال المناظرة الوطنية التي نظمتها الوكالة القضائية للمملكة في أبريل من السنة الماضية، حين دعا إلى تعزيز آليات المساءلة في مواجهة القرارات الإدارية غير المشروعة التي تترتب عنها أعباء مالية على الدولة، محذراً من مخاطر التقديرات والاجتهادات الشخصية الخارجة عن الضوابط القانونية.
وترى المصادر ذاتها أن مبدأ “حق الرجوع” يكتسب أهمية متزايدة في مثل هذه القضايا، باعتباره آلية قانونية تسمح للدولة، عبر الوكالة القضائية للمملكة، بالرجوع على المسؤولين المعنيين لاسترداد المبالغ المؤداة من المال العام متى ثبت أن الضرر ناتج عن أخطاء شخصية جسيمة لا عن أخطاء مرفقية مرتبطة بالسير العادي للإدارة.
ويضع هذا الملف، وفق متابعين، الوكالة القضائية للمملكة أمام اختبار عملي يتعلق بمدى تفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل الدعوات المتزايدة إلى الحد من تحميل دافعي الضرائب كلفة النزاعات والأخطاء الإدارية التي يمكن أن تترتب عنها تعويضات مالية بملايين الدراهم.







