حكاية تسقيف أسعار المحروقات التي عادت إلى الواجهة بعد إسقاط أغلبية مجلس المستشارين لمقترح قانون، ليست جديدة، بل تحولت إلى كرة يتم دحرجتها من حكومة إلى أخرى منذ تحرير القطاع في عهد حكومة بنكيران، وصولاً إلى تولي عراب المحروقات بالمملكة منصب رئيس الحكومة.
كما أن مسار هذا الملف، الذي انتهى بلجنة ملكية بعد ما حدث في مجلس المنافسة من “ضرب تحت الحزام”، يكشف أن لوبي المحروقات قادر على تطويع الحكومة والمؤسسة التشريعية ومجلس المنافسة.
كما باستطاعته لجم كل من يقترب من أرباحه ومصالحه، سواء من خلال التسقيف الذي تحول إلى نكتة، أو النبش في خفايا الأرباح وتاريخ الاحتكار، وهو ما يفسر تطوع عدد من الوزراء لتبرير استنزاف جيوب المغاربة، بدعوى أن ما ندفعه كفارق في السعر يعود إلينا في قنينات “البوطا” والتعليم والصحة ودعم الأرامل والعالم القروي…؟
التسقيف وتجمع النفطيين
ملف المحروقات قرار يخضع لإرادة تجمع النفطيين في المغرب، الذي لم نعد نسمع له صوتا منذ صعود أخنوش لرئاسة الحكومة،وهو ما اتضح بعد اللقاءات التي عقدها لحسن الداودي، الوزير السابق المكلف بالشؤون العامة والحكامة، مع تجمع النفطيين في اتجاه تفعيل تسقيف متوافق عليه للأرباح في عز حملة المقاطعة.
اللقاء فشل طبعا.
وعكس ما صرح به ممثل تجمع النفطيين بعد صدور رأي مجلس المنافسة، الذي كشف أن قرار التسقيف سيكون بدون مفعول، قال الداودي إن هذا المبدأ بدأ يحظى بالقبول لدى الشركات، مضيفا بأنه “بمثابة العصا التي توجد دائما في يد الحكومة”، وأن “السلطة التي تملكها الحكومة للتسقيف لا تزال مستمرة إذا لم نتوصل إلى حل مع الشركات اليوم”. لكن العصا الوحيدة التي رأيناها هي التي جعلت الداودي خارج الحكومة.
وكان الداودي قد صرح بأن الحكومة ستمضي قدما في تفعيل قرار التسقيف بمجرد توصلها برأي مجلس المنافسة، قبل أن يعود للحديث عن ضرورة التوافق مع الشركات، في خطوة تهدف إلى تدارك نواقص آلية التسقيف التي سبق التحذير منها، والتي أشار إليها رأي مجلس المنافسة.
وقال وزير الحكامة: “إذا توصلنا إلى تسقيف متوافق عليه بشكل دائم، فإننا سنتمكن من تحديد هامش ربح الشركات، مع ضمان عدم الزيادة فيه رغم مضي ستة أشهر” لكن ذلك لم يحدث.
بداية العطب
في سنة 2015، وتحت غطاء تنزيل “الإصلاحات الكبرى”، أعلنت حكومة عبد الإله بنكيران عن قرارها تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها بشكل كلي.
خطوة استبقها رئيس الحكومة بإطلاق سلسلة من التصريحات على شكل رسائل كان الهدف منها محاولة جس نبض الشارع وتهيئته نفسيا لبعض “القرارات المؤلمة”، خاصة ما يتعلق بالرفع في الأسعار، وهو ما ظهر جليا من خلال التقرير السياسي الذي قدمه بنكيران أمام المجلس الوطني، حيث أشار إلى وجود تأخر في إصلاح صندوق المقاصة، قبل أن يردف بأن الحكومة تمكنت من التحكم في نفقاته بقرارات صعبة، وأن الشعب المغربي “تفهمها وتحملها”، سواء عند الزيادة المباشرة في أسعار الوقود بنوعيه (البنزين والكازوال) سنة 2012، أو عبر اعتماد نظام المقاصة.
الحكومة التي قررت رفع يدها عن المحروقات، تجاهلت التحذيرات الكثيرة التي نبهت إلى أن القرار سيجعل القطاع منفلتا، ودون آليات تتيح للحكومة التصدي للتلاعبات المحتملة، والنفخ في الأسعار الذي من شأنه التأثير على تنافسية المقاولات والقدرة الشرائية للمواطنين، ومنها بالأساس التسقيف .
تحذيرات واجهتها الحكومة بالصمت، قبل أن تعرف أسعار المحروقات زيادات متتالية جعلتها تصل إلى مستويات قياسية تحدت أسعار النفط على المستوى العالمي، وجعلت حكومة سعد الدين العثماني في وضع محرج للغاية، خاصة بعد حملة المقاطعة.
حملة نجحت في إرباك عدد من الشركات الكبرى المعنية بها، وخاصة شركة أفريقيا المملوكة لأخنوش، مع إلحاق ضرر بالغ بسمعة منتجاتها، بعد أن لقيت تجاوبا وصدى غير مسبوق.
الحملة جاءت أساسا كرد على الأسعار التي انفلتت من رقابة الحكومة، وهو ما فرض، في محاولة لاحتواء حدة الغضب، الإعلان عن لجنة برلمانية استطلاعية للبحث في وجود تواطؤ محتمل بين حيتان المحروقات، لكن اللجنة تعرضت للكثير من المطبات والصعوبات منذ الإعلان عن تشكيلها، قبل أن يتم تجميد خلاصة التقرير الذي صاغته بعد شهور طويلة، ما جعل دعوات المقاطعة تمتد مثل رقعة زيت إلى عدد من الشركات التي اتهمها المقاطعون باستهداف جيوب المغاربة.
هامش الربح
اللافت أن الحكومة، وبعد أن خمدت حملة المقاطعة، عادت لتنفي وجود أي تواطؤ بين الشركات، معتبرة أن الحديث عن وجود لوبي للمحروقات بالمغرب مجرد إشاعات لزعزعة الثقة في الحكومة.
جاء ذلك على لسان وزير الحكامة السابق لحسن الداودي، الذي وضع المحروقات والبصل في سلة واحدة، بعد أن فند بشكل مطلق “وقوف لوبي المحروقات وراء الزيادات”، وقال: “نحن نعرف الأسعار في السوق الدولية، والثمن الذي تقتني به هذه الشركات، وأيضا نعلم هامش الربح، لكن التحرير فيه تداعيات كما حدث في أسعار البصل”.
كلام الداودي قابلته تصريحات مثيرة أدلى بها عبد الله بوانو رئيس اللجنة التي أنجزت المهمة الاستطلاعية، حيث كشف أن بعض الشركات منيت بخسارة في الخارج، لكنها في المغرب ضاعفت أرباحها ثلاث مرات من 300 مليون إلى 900 مليون درهم في سنة واحدة، مؤكدا أن هامش ربح شركات المحروقات كبير جدا، وهو عكس ما صرح به وزير الحكامة السابق، الذي دافع عن شركات المحروقات، وقال إنها لا يمكن أن تبيع بخسارة في ظل ارتفاع سعر البرميل في السوق الدولي، فيما ربط الوزير الرباح ارتفاع السعر بكلفة التخزين والنقل.
رئيس اللجنة صدم المغاربة حين قال إن تجميع هوامش الربح يجعلنا أمام مئات الملايير التي ضخت في حسابات هذه الشركات، مؤكدا أن بعض الشركات تحاول النفخ في قيمة الاستثمار للتغطية على هوامش الربح الضخمة، كما تحاول ربطها بخدمات أخرى مثل غسل السيارات و“الطواجن” التي تقدم كوجبات في محطات الاستراحة، ليشير إلى وجود شركات تضاعف ربحها ألف مرة رغم أنها “ما كادير طاجين ما كتغسل سيارات”.
تقرير اللجنة، الذي وضع في نهاية الأمر بالأرشيف، قدم خلاصات حول تركيبة السعر انطلاقا من الدول المنتجة، وهي التركيبة التي تضم التكرير والتأمين والضرائب التي تبقى الأقل في المغرب مقارنة بدول أخرى، وهو ما أسقط الحجة التي استندت إليها بعض شركات المحروقات من أجل تبرير السعر المرتفع.
في المقابل، فإن الحكومة، وعوض أن تلتزم بتحمل النتائج والانعكاسات السلبية لما اعتبرته “إصلاحا” وفق منطقها الخاص، فضلت الهروب إلى الأمام من خلال حكاية تسقيف الأسعار لاحتواء غضب المغاربة وإخفاء عجزها عن إجبار شركات المحروقات على إقرار “ثمن عادل”.
درهمان عن كل لتر
حكاية اتضح أن هدف السابقة منها كان هو ربح الوقت من خلال جولات مفاوضات انتهت بتوبيخ علني للوزير الداودي من طرف لوبي المحروقات، ما جعل الرجل ينقلب على جميع تصريحاته السابقة ليؤكد بأن الشركات تجني درهمين إضافيين “فوق الشبعة” عن كل لتر، وهو أمر يجب أن يتوقف.
مغادرة الداودي للحكومة ورمي كرة المحروقات في ملعب مجلس المنافسة لم ينهِ ترافع الحكومة لصالح شركات المحروقات، بعد أن رفضت تخفيض الأسعار، حيث تطوع الوزير الرباح للقيام بالمهمة، مؤكدا أن سعر المحروقات يبقى “عاديا” و“لا بأس به” وكأنه ينوب عن عزيز اخنوش رئيس الحكومة الحالي.
تصريح جاء في وقت كان يفترض فيه أن تسجل أسعار المحروقات حينها انخفاضا مهما يراعي الانهيار التاريخي للأسعار في السوق الدولية، بما فيه خام “برنت”، الذي اختبأ وراءه الوزير، وذلك عوض أن تتجه إلى زيادة تلو أخرى في تناقض يكشف أن هذا القطاع صار بدون لجام منذ أن تورطت الحكومة السابقة في تحرير كان بمثابة هدية غالية دفع المغاربة ثمنها من جيوبهم فيما توزع الربح بين الدولة والشركات.
الرباح أعاد في أكثر من مناسبة نفس الأسطوانة القديمة بأن المحروقات تضاف إليها قيمة ضرائب الدولة وكلفة النقل والتوزيع وأرباح الشركات، وهو “ما يجعل السعر الحالي معقولا”.
العثماني يكشف المستور
الذي حدث بعد ذلك في “حكاية التسقيف” أن سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، كشف أن وزير الحكامة لحسن الداودي ظل يبيع الوهم للمغاربة، ويتعمد تضليل الرأي العام بحديثه عن تسقيف وشيك لأسعار المحروقات، بعد أن تقمص دور البطولة، وأرغى وأزبد مراراً بالبرلمان، مؤكداً أن القرار بيده، وأن شركات المحروقات جنت أرباحاً خيالية فاقت الدرهمين للتر، وأنه لا بد لهذا الأمر أن ينتهي.
بعدها تبين أن الداودي نمر من ورق، وأن حكومة العثماني عاجزة بالفعل عن وضع يديها في هذه العصيدة رغم التصريحات المنفوخة، والفضائح الكثيرة التي كشفها تقرير المهمة البرلمانية الاستطلاعية.
العثماني أكد بصريح العبارة أنه “لا يوجد لا تسقيف ولا هم يحزنون”، وقال إن هذا “القرار صعب ويحتاج موافقة وزارات أخرى، وأن البحث جارٍ عن إجراءات أخرى”.
هذا يعني ببساطة أن الرجل فتح باب الهروب من ورطة التسقيف التي كشفت أن لوبيات الاحتكار المتغولة قادرة على تطويع حكومات ومؤسسات دستورية تلتهم الملايير كأجور وتعويضات دون أن تكون قادرة على القيام بدورها في حماية المغاربة وجيوبهم ممن يستغلون، وينهبون، ويصنعون ثروات غير مشروعة.







