ليست كل عمليات التصويت التي تجري داخل قبة البرلمان أحداثاً عادية. فهناك لحظات تتحول فيها المؤسسة التشريعية إلى مرآة تعكس حقيقة المواقف السياسية بعيداً عن الضجيج الانتخابي والخطابات المنمقة. وما جرى خلال التصويت على مقترحي القانون المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات واسترجاع أصول شركة “لاسامير” لفائدة الدولة كان إحدى تلك اللحظات الكاشفة.
فقد اختارت أحزاب الأغلبية بمجلس المستشارين إسقاط مقترحين يرتبطان بشكل مباشر بواحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمغاربة: أسعار المحروقات وتداعياتها على القدرة الشرائية. أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي طالما قدم نفسه باعتباره مدافعاً عن العدالة الاجتماعية والطبقات الوسطى والفقيرة، فقد فضل الاحتماء بورقة الامتناع، في موقف لا يقل إثارة للتساؤل عن التصويت بالرفض نفسه.
ما يثير الانتباه في هذه الواقعة ليس فقط النتيجة، بل الرسالة السياسية التي خلفتها لدى الرأي العام. فحين تصطف أحزاب الأغلبية ضد مقترحات ترمي إلى الحد من ارتفاع أسعار المحروقات وإعادة أصول “لاسامير” إلى الدولة، دون أن تقدم للرأي العام مرافعة سياسية واضحة ومقنعة تشرح أسباب هذا الرفض، فإنها تفتح الباب واسعاً أمام استنتاج واحد: أن مصالح المواطنين لم تكن أولوية في هذه اللحظة.
لقد كان من حق الأغلبية أن ترفض المقترحين إذا كانت تملك بديلاً أفضل أو رؤية اقتصادية مختلفة. لكن من واجبها أيضاً أن تشرح للمغاربة لماذا رفضتهما، وأن تقدم تبريرات سياسية واقتصادية تحترم حق المواطنين في الفهم والمساءلة. أما الاكتفاء برفع الأيدي لإسقاط المقترحات ثم الصمت، فهو ما يجعل الانطباع السائد يتجه نحو الاعتقاد بوجود حماية سياسية لمصالح اقتصادية نافذة، أكثر مما هو دفاع عن خيارات اقتصادية مدروسة.
في السياسة، لا يحاسب المواطن النوايا، بل يحاسب الوقائع. والواقعة هنا واضحة: مقترح يتعلق بتسقيف أسعار المحروقات تم إسقاطه، ومقترح يتعلق باسترجاع أصول “لاسامير” لفائدة الدولة تم إسقاطه بدوره. أما المستفيد المباشر من استمرار الوضع القائم فليس المواطن الذي يكتوي يومياً بارتفاع الأسعار، بل الفاعلون الذين راكموا أرباحهم داخل سوق ظل لسنوات طويلة محل جدل وانتقاد.
أما موقف الاتحاد الاشتراكي، فيستحق وقفة خاصة. فالأحزاب تُقاس بمدى انسجامها مع مرجعياتها وخطاباتها، لا بعدد البيانات التي تصدرها. وعندما يتعلق الأمر بملف يمس معيش ملايين المغاربة، يصبح الامتناع عن التصويت أقرب إلى الهروب من تحمل المسؤولية منه إلى موقف سياسي مستقل.
لقد كان أمام الحزب خياران واضحان: إما التصويت لصالح المقترحين انسجاماً مع إرثه الاجتماعي وخطابه التاريخي، أو التصويت ضدهما مع تقديم مبرراته للرأي العام. أما اختيار المنطقة الرمادية، فهو لا يمنح المواطنين وضوحاً بقدر ما يعمق الشكوك حول الموقع الحقيقي للحزب داخل الخريطة السياسية.
والأخطر من كل ذلك أن هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة أزمة الثقة المتفاقمة بين المواطنين والأحزاب السياسية. فقبل كل استحقاق انتخابي، تتسابق الأحزاب إلى رفع شعارات الدفاع عن القدرة الشرائية ومحاربة الاحتكار والوقوف إلى جانب الفئات المتضررة. لكن عندما تأتي لحظة الاختبار داخل المؤسسات المنتخبة، يكتشف المواطن أن المسافة بين الخطاب والممارسة أكبر بكثير مما كان يعتقد.
هنا تحديداً يكمن أحد الأسباب الحقيقية للعزوف الانتخابي. فالمواطن لا يعزف عن السياسة لأنه لا يفهمها، بل لأنه يرى أحياناً أن صوته لا يغير شيئاً في القرارات التي تمس حياته اليومية. وعندما تتكرر المواقف التي يبدو فيها أن مصالح القوى الاقتصادية الكبرى تحظى بأولوية أكبر من مصالح المواطنين، تتآكل الثقة أكثر، ويتحول الإحباط إلى عزوف.
لذلك، لا يحق للأحزاب أن تشتكي من ضعف المشاركة السياسية وهي تقدم للمواطنين مثل هذه الرسائل المتناقضة. لا يحق لها أن تطالب الناس بالتصويت كل خمس سنوات ثم تتفاجأ عندما يسألون عن جدوى هذا التصويت. فالثقة لا تُبنى بالخطب، ولا بالشعارات، ولا بالوعود الانتخابية التي تملأ الساحات والمنصات الرقمية. الثقة تُبنى بالمواقف عندما تكون مصالح المواطنين على المحك.
لقد كان تصويت مجلس المستشارين أكثر من مجرد تصويت على مقترحين. كان اختباراً سياسياً حقيقياً كشف من اختار الاصطفاف إلى جانب الوضع القائم، ومن فضل الاختباء خلف الامتناع، ومن لم يجد ضرورة لتقديم أي تفسير للمغاربة.
وفي النهاية، قد تنجح الأحزاب في إسقاط مقترح داخل البرلمان، لكنها لا تستطيع إسقاط الأسئلة التي يتركها ذلك التصويت في أذهان المواطنين. فالأوراق التي رُفعت داخل قاعة الجلسات ستُطوى، أما أثرها السياسي فسيظل حاضراً في ذاكرة كل مواطن يبحث عن إجابة لسؤال بسيط: من يدافع فعلاً عن مصالحه عندما تحين لحظة الاختيار؟







