مع اقتراب مباراة المغرب وفرنسا، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى سباق محموم في إطلاق الوعود. شركات، مقاولات، محلات تجارية، وصفحات كبرى تسابقت إلى نشر عروض من قبيل: “إذا فاز المغرب على فرنسا…”، بين تخفيضات، وهدايا، وخدمات مجانية، في محاولة لاستثمار الحماس الوطني وتحقيق أكبر قدر من الانتشار.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يدرك أصحاب هذه الوعود تبعات ما ينشرونه؟ أم أن الأمر مجرد بحث عن “البوز” ولو على حساب القانون؟
للأسف، يبدو أن كثيرين يعتقدون أن مواقع التواصل فضاء خارج أي التزام، وأن الوعد المنشور لا يعدو أن يكون وسيلة لجذب الإعجابات والمشاركات. وهذا اعتقاد خاطئ، خاصة عندما يتعلق الأمر بعروض تجارية موجهة إلى المستهلكين.
فالقانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك لم يوضع للزينة، بل لحماية المستهلك من الوعود والإعلانات التي قد تدفعه إلى اتخاذ قرارات بناءً على عروض يعلن عنها المورد. فإذا كان المنشور يشكل عرضًا تجاريًا مستوفيًا لشروطه القانونية، ثم امتنع صاحبه عن الوفاء به بعد تحقق الشرط المعلن، فقد يترتب عن ذلك مسؤولية قانونية، ويحق للمتضرر اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقه وفق ما يقرره القانون.
المثير للاستغراب أن بعض الناشرين وأصحاب الصفحات الذين يلهثون اليوم وراء “البوز” هم أنفسهم أول من سيبحث غدًا عن المبررات إذا فاز المنتخب، وسيحاولون التهرب من تنفيذ ما وعدوا به، متذرعين بأن الأمر كان “مزاحًا”، أو “حملة ترويجية”، أو مجرد تفاعل مع الحدث.
وهنا تتجلى المفارقة؛ فمن أراد استغلال الحماس الجماهيري لتحقيق الانتشار، عليه أيضًا أن يتحمل مسؤولية ما نشره، لا أن يتذكر القانون فقط عندما يصبح ملزمًا له.
إن إطلاق الوعود أسهل بكثير من الوفاء بها، لكن احترام الكلمة هو ما يصنع المصداقية. أما تحويل مشاعر المغاربة إلى وسيلة مجانية للإشهار، ثم التراجع عند تحقق الشرط، فهو لا يعكس ذكاءً تسويقيًا، بل يضرب الثقة بين المستهلك والتاجر، ويُظهر أن الهدف لم يكن الاحتفاء بالمنتخب، وإنما استغلاله لتحقيق أكبر عدد من المشاهدات.
فمن يبحث عن “البوز” عليه أن يتذكر أن المصداقية أغلى من عدد الإعجابات، وأن الوعد، متى استوفى شروطه القانونية، ليس مجرد منشور يُحذف بعد المباراة، بل يتحول إلى التزام يُسأل عنه صاحبه . ويبقى الأمل أن يحتفل المغاربة الليلة بانتصار تاريخي على فرنسا، وأن يحتفلوا غدًا أيضًا بانتصار آخر… انتصار الكلمة الصادقة على ثقافة “البوز”، والالتزام على التراجع.







