خلال حضوري لنقاش سياسي بمؤسسة الفقيه التطواني بمدينة سلا، استوقفني تدخل أحد المشاركين المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، حيث جعل من توصيف أحد قياديي حزب الأصالة والمعاصرة بـالمنتم إلى “الحزب الإداري” محورا متكررا لمداخلات، ذلك أن الأمر لم يكن مجرد إشارة عابرة، بل كان هذا الوصف يستدعى في كل مرة، وكأنه يكفي وحده لإسقاط شرعية حزب أو التقليل من قيمة مواقفه.
هذا النقاش دفعني إلى طرح مجموعة من الأسئلة التي أعتقد أنها تستحق التأمل بعيدا عن منطق الاصطفاف الحزبي، هل ما زال مفهوم الحزب الإداري يحتفظ بنفس الدلالة والحمولة التي كان يحملها قبل عقود؟ وهل يمكن أن نستمر في استعمال مفهوم نشأ في سياق سياسي معين لتفسير واقع سياسي تغيرت شروطه ومؤسساته وقواعده؟ وهل ينبغي أن نحاكم الأحزاب بتاريخ وكيفية تأسيسها أم بممارستها وأدائها؟
الأكيد أن المفاهيم كل المفاهيم لا تعيش خارج سياقها التاريخي، فكل مفهوم يولد في ظرف معين، ويكتسب معناه من خلال البيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجته.
في هذا الإطار، يؤكد عالم السياسة الأمريكي “جيوفاني سارتوري” ” Giovanni Sartori ” في كتابه “Concept Misformation in Comparative Politics ” أن استعمال المفاهيم خارج سياقها أو توسيع معناها دون ضوابط يؤدي إلى فقدان دقتها العلمية، حيث حذر من إسقاط المفاهيم القديمة على واقع جديد دون إعادة تعريفها.
عموما، لقد ارتبط مفهوم الحزب الإداري في التجربة السياسية المغربية، بفترة كانت فيها الدولة تتدخل بشكل كبير في إعادة تشكيل الخريطة الحزبية لتحقيق توازنات سياسية معينة، وقد حاول عدد من الفاعلين السياسيين والباحثين المغاربة فهم وتفسير هذه الظاهرة، حيث أكدوا أن الأحزاب السياسية بالمغرب، قد عرفت تحولات عميقة مرتبطة بتطور النظام السياسي المغربي، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هو هل ما زلنا نعيش نفس السياق السياسي الذي أفرز هذا المفهوم؟
لقد عرف المغرب مجموعة من الإصلاحات السياسية والدستورية والمؤسساتية، التي توجت بإصدار دستور 2011، والذي نص في فصله السابع على أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم سياسيا وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وعلى أنها تؤسس وتمارس أنشطتها بحرية، في إطار احترام الدستور والقانون، كما أصبح الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو الآلية الأساسية للتداول على المسؤولية الحكومية، وأصبحت جميع الأحزاب، من دون استثناء، مطالبة بإقناع الناخبين عبر البرامج والكفاءات والحصيلة.
صحيح أن أي نظام سياسي لا يخلو من نقاش طبيعة العلاقة بين الدولة والأحزاب السياسية، وهو نقاش موجود حتى في أعرق الديمقراطيات، إلا أن تحويل مفهوم الحزب الإداري إلى وصف جاهز يلصق بحزب معين في كل مناسبة، دون تحليل الواقع الحالي، يفقد المفهوم قيمته العلمية ويجعله مجرد أداة في الصراع السياسي، ثم إن المنطق الديمقراطي يؤكد أن الأحزاب السياسية تقوم على مبدأ الاستجابة لحاجيات المجتمع، وبالتالي فهي تتغير كما تتغير المجتمعات، فكم من حزب تأسس في ظروف معينة ثم تطور خطابه وممارسته، وكم من حزب كان معارضا ثم أصبح يقود الحكومة، وكم من حزب ولد صغيرا ثم تحول إلى قوة سياسية وانتخابية مؤثرة.
على هذا الأساس، فإن اختزال أي حزب في لحظة تأسيسه فقط، مع تجاهل مساره، يناقض أبسط قواعد التحليل السياسي، وهو النقاش الذي لا يمكن أن يجد مكانا على طاولة النقاش السياسي بالدول الديمقراطية، ففي فرنسا مثلا ارتبطت بعض الأحزاب تاريخيا بقربها من السلطة التنفيذية، وفي إسبانيا كذلك يسجل التاريخ بروز أحزاب سياسية نتيجة لتحولات دستورية عرفتها البلاد، أما في إيطاليا فقد أعادت الأزمات السياسية تشكيل الخريطة الحزبية بالبلد أكثر من مرة، وبالرغم من ذلك، لا يقيّم الباحثون هذه الأحزاب فقط وفق ظروف نشأتها وكأنها خطيئة، بل وفق قدرتها على التأطير، والتنافس، وإنتاج السياسات العمومية، واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية.
في نفس الإطار، فإذا كان معيار الحكم على الأحزاب هو تاريخ وظروف نشأتها، فإن ذلك يفتح الباب أمام محاكمة جميع الأحزاب تقريبا، انطلاقا من ظروف تأسيسها، وهو أمر لا يخدم النقاش الديمقراطي بالمرة، بل الأكثر من ذلك، هو أمر لا يخدم مسار تدعيم النموذج الديمقراطي المغربي، فالمطلوب ليس التساؤل حول ظروف وسياقات نشأة الأحزاب السياسية، بل المطلوب هو التساؤل حول درجات احترامها للديمقراطية الداخلية، ومدى قدرتها على إنتاج نخب سياسية ذات كفاءة، ومستويات وفائها بالتزاماتها الانتخابية، ودفاعها عن المصلحة العامة. فالمواطن المغربي لا ينتظر من السياسي أن يكرر تصنيفات تعود إلى ستينيات أو سبعينيات القرن الماضي، بقدر ما ينتظر منه أجوبة بخصوص مشكلات التعليم، والصحة، والتشغيل، والاستثمار، والعدالة المجالية، والحماية الاجتماعية، فهذه هي الأسئلة التي تمنح السياسة معناها الحقيقي.
إن النقد السياسي حق مشروع، بل هو أحد شروط الديمقراطية، لكن النقد يفقد قيمته عندما يتحول إلى تكرار أوصاف جاهزة لا تخضع للتحيين ولا للمراجعة، ذلك أن الأفكار السياسية تتطور باستمرار، وبالتالي فإن المفاهيم التي لا تتم مراجعتها تتحول إلى شعارات أكثر منها أدوات للفهم، وعليه فإن السؤال الحقيقي الذي يهم المغاربة، ليس هو هل هذا الحزب إداري أم لا؟ بل هو هل هذا الحزب ديمقراطي في ممارسته؟ هل يخدم المواطنين؟ هل يمتلك مشروعا مجتمعيا واضحا؟ وهل يحترم قواعد التنافس السياسي؟
لقد آن الأوان للقطع مع ثقافة تصنيف الأحزاب والانتقال إلى ثقافة تقييم أدائها، ومن محاسبتها انطلاقا من ظروف نشأتها إلى محاسبتها على أساس عملها وأدائها، فالديمقراطية لا تقوم على الذاكرة وحدها، بل تقوم على المسؤولية، والمساءلة، والتنافس الحر، وعلى تجديد الأفكار، أما الاكتفاء باستحضار شماعة مفهوم الحزب الإداري دون التساؤل حول مدى مسايرته للواقع السياسي المغربي اليوم، فهو منطق يحتاج إلى مراجعة فكرية ومنهجية.







