بين الخطاب الذي تقدمه “حكومة أخنوش” في المحافل الدولية، والنتائج التي ترصدها المؤسسات المالية الدولية، تتسع الفجوة التي تضع الحصيلة الاقتصادية لحكومة عزيز أخنوش تحت مجهر المساءلة.
ففي الوقت الذي يواصل فيه رئيس الحكومة تقديم ورش “الدولة الاجتماعية” باعتباره تحولاً غير مسبوق في السياسات الاجتماعية، أبقى التقرير السنوي الأخير للبنك الدولي المغرب ضمن فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى برسم الفترة الممتدة من يوليوز 2026 إلى نهاية يونيو 2027، في مؤشر يعكس استمرار الاقتصاد الوطني في المراوحة داخل التصنيف نفسه، رغم الوعود المتكررة بتحقيق الإقلاع الاقتصادي وتحسين مستوى عيش المواطنين.
ولا تكتسي هذه النتيجة أهميتها من كونها تؤكد استمرار المغرب في الشريحة ذاتها فحسب، بل لأنها تأتي في وقت نجحت فيه ست دول في تحسين تصنيفها والانتقال إلى شرائح دخل أعلى، من بينها الأردن وسريلانكا وفيتنام والفلبين وتوغو وميكرونيزيا، وهو ما يعيد طرح الأسئلة حول نجاعة الاختيارات الاقتصادية المعتمدة، ومدى قدرتها على تحويل النمو المعلن إلى تحسن ملموس في دخل الأسر المغربية.
ويعتمد البنك الدولي في هذا التصنيف على نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي وفق “منهجية أطلس”، التي تراعي تقلبات أسعار الصرف والتضخم، وهو ما يجعل هذا المؤشر من أبرز المعايير الدولية لقياس مستوى الدخل الحقيقي للدول.
ووفق هذه المنهجية، لم يتمكن المغرب مرة أخرى من بلوغ العتبة المؤهلة للانتقال إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، رغم ما تعلنه الحكومة من ارتفاع في وتيرة الاستثمار العمومي، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وإطلاق مشاريع كبرى تقدمها باعتبارها مؤشرات على تحول اقتصادي واجتماعي عميق.
ويضع هذا المعطى الدولي الخطاب الحكومي أمام اختبار الأرقام. فالحكومة التي جعلت من “الدولة الاجتماعية” عنواناً رئيسياً لولايتها، وقدمت الدعم الاجتماعي المباشر وتعميم التغطية الصحية باعتبارهما من أكبر الإصلاحات الاجتماعية في تاريخ المملكة، تجد نفسها أمام مؤشر دولي يفيد بأن متوسط دخل المغاربة لم يحقق بعد القفزة الكفيلة بنقل البلاد إلى الشريحة الأعلى. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه البرامج، بصيغتها الحالية، على تجاوز دورها الاجتماعي في الحد من الهشاشة، لتتحول إلى رافعة اقتصادية ترفع الإنتاجية، وتخلق الثروة، وتعزز صعود فئات واسعة إلى الطبقة المتوسطة.
ويذهب خبراء اقتصاديين في حيدثهم لـ “نيشان”، إلى أن برامج الدعم الاجتماعي، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تشكل بديلاً عن الإصلاحات البنيوية القادرة على خلق اقتصاد أكثر تنافسية. فرفع مستوى دخل الأفراد يظل رهيناً بتحسين جودة التعليم والتكوين، وإصلاح المنظومة الصحية، وخلق فرص شغل منتجة، وتعزيز الاستثمار المنتج، والحد من الاختلالات التي تعيق المنافسة وتحد من خلق القيمة المضافة، وهي الأوراش التي لا تزال تواجه تحديات كبيرة رغم ما تحقق من إصلاحات في مجالات أخرى.
كما يعيد استمرار هذا التصنيف النقاش حول قدرة الاقتصاد الوطني على الاحتفاظ بكفاءاته، في ظل تواصل هجرة أعداد من الأطباء والمهندسين والباحثين والأطر العليا نحو الخارج، بحثاً عن ظروف مهنية أفضل ومستويات دخل أكثر جاذبية.
وتعتبر المصادر أن تحسين تصنيف المغرب لن يتحقق فقط عبر توسيع برامج الدعم الاجتماعي، وإنما أيضاً عبر بناء اقتصاد قادر على استيعاب هذه الكفاءات وتوفير شروط الترقي المهني والاجتماعي داخل البلاد.
ويأتي هذا التصنيف في سياق اقتصادي يتسم باستمرار الضغوط على القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، وتباطؤ خلق فرص الشغل، وهي مؤشرات تجعل من تحسين مستوى الدخل تحدياً مركزياً أمام الحكومة. كما يسلط الضوء على الحاجة إلى تحويل النمو الاقتصادي من نمو تقوده عوامل ظرفية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي، إلى نمو قائم على الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية والاقتصاد المعرفي، بما يضمن انعكاساً مباشراً على دخل المواطنين.
وفي المحصلة، لا يقتصر تقرير البنك الدولي على تصنيف تقني للدول حسب مستوى الدخل، بل يعيد فتح النقاش حول الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، ومدى قدرة السياسات العمومية الحالية على تحقيق التحول الذي وعدت به.
فبين الخطاب الذي يسوق تجربة المغرب باعتبارها نموذجاً في بناء “الدولة الاجتماعية”، والأرقام التي تؤكد استمرار البلاد في فئة الدخل المتوسط الأدنى، تبرز الحاجة إلى تقييم أكثر عمقاً لنتائج الإصلاحات، والانتقال من التركيز على توسيع شبكات الدعم إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، تكون ثمرته الأساسية رفع دخل المواطن وتحسين جودة عيشه.







