ليس هناك ما هو أخطر على الثقافة من تلك اللحظة الحرجة التي تتوقف فيها عن إنتاج الأسئلة لتشرع في حراسة الأجوبة. ففي تلك اللحظة تحديدا، تغادر الثقافة وظيفتها التاريخية بوصفها فعلا نقديا مستمرا، وتتحول إلى مؤسسة جامدة لإعادة إنتاج اليقين. ما كان يشكل أفق التفكير يغدو فجأة حدودا له، وما كان منهجا حيويا لفهم العالم يتحول إلى سلطة صلبة تفرض طريقة واحدة في النظر إليه. هنا بالذات يولد البراديغم بوصفه نظاما للهيمنة والضبط، لا مجرد أداة للفهم والتحليل المعرفي.
إن البراديغم، في أصله المعرفي، ليس خطيئة أو انحرافا، بل هو ضرورة تاريخية لتنظيم الرؤية، وصياغة المفاهيم، وبناء المعايير المؤقتة التي تسمح للمعرفة بأن تتقدم وتتطور. غير أن المأساة الحقيقية تبدأ حين ينسى هذا البراديغم طبيعته المؤقتة، ويبدأ في ادعاء الكونية المطلقة، حيث يحتكر تعريف الحقيقة ويصادر كل إمكانات الاختلاف والتغاير. عندها، لا يعود مجرد إطار معرفي مرن، بل يتحول إلى سلطة رمزية قاهرة تنتج لغتها الخاصة، ومؤسساتها الحمائية، وآلياتها الصارمة في منح الشرعية أو سحبها وفق الولاء.
ووفق هذا المسار التاريخي، فإن كل براديغم يبدأ متمردا في طليعة التجديد، ثم ينتهي محافظا يخشى التغيير. يولد من رحم القطيعة المعرفية الشجاعة، ثم يتحول مع الوقت إلى عدو شرس لكل قطيعة جديدة. وهذه المفارقة ليست حكرا على الثقافة العربية وحدها، بل تكاد تكون قانونا اجتماعيا عاما يحكم تاريخ الأفكار البشري. غير أن خطورتها تتضاعف وتتخذ أبعادا مدمرة في البيئات الثقافية الهشة، حيث يتحول الرأسمال الرمزي إلى مورد نادر يتكالب عليه الجميع، وتصبح السيطرة على منصات الاعتراف الثقافي أهم بكثير من إنتاج المعرفة أو الإبداع نفسه. وهنا تحديدا يظهر ما يمكن تسميته “كهنوت الثقافة”.
لا يقصد بالكهنوت هنا جماعة دينية بالمعنى التقليدي، بل نقصد به طبقة رمزية علمانية تحتكر مفاتيح الاعتراف داخل الحقل الثقافي المعاصر. إنها الشبكة غير المعلنة التي تتوزع بدقة بين النقاد، والمحكمين، ورؤساء المؤسسات الثقافية، ومنظمي المهرجانات الكبرى، ولجان الجوائز، والملاحق الأدبية، وبعض دوائر النشر والإعلام النافذة. هؤلاء الفاعلون لا يكتبون التاريخ الأدبي الحقيقي بالضرورة، لكنهم يقررون، في كثير من الأحيان وبمنتهى الحسم، من يحق له الدخول إلى هذا التاريخ ومن يجب إقصاؤه.
إن السلطة الثقافية الحديثة لم تعد تمارس القمع الخشن أو الرقابة المباشرة، بل صارت تمارس ما هو أكثر دهاء وعمقا؛ إنها تدير الضوء. هي لا تمنع النصوص المغردة خارج السرب من الوجود القانوني، وإنما تتحكم بالكامل في إمكانية رؤيتها وتسويقها. لا تمنع الكاتب من حبره، لكنها تستطيع بكفاءة منعه من الوصول إلى القارئ. وهكذا لم تعد الهيمنة قائمة على المنع الأمني، بل على إدارة الاعتراف وتوجيه الاهتمام.
ومن هنا تبرز إحدى أخطر التحولات البنيوية التي عرفها المجال الثقافي العربي المعاصر، حيث استبدلت سلطة الرقابة التقليدية بسلطة الاعتراف الرمزية. لم يعد السؤال الجوهري اليوم: هل يسمح لهذا النص بالنشر؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: هل يسمح لهذا النص بأن يرى؟ ومن يملك سلطة منحه شرعية التداول والقبول؟ ومن يقدمه إلى الجمهور بوصفه حدثا ثقافيا فارقا؟
بهذا المعنى النامي، أصبحت السلطة الثقافية أكثر نعومة وأشد فاعلية. فالكاتب في عصرنا قد ينشر كتابه بحرية كاملة دون أن يقرأه أحد، وقد يكتب عملا استثنائيا فذا دون أن يعبر حدود الصمت المفروضة عليه، لأن الاعتراف لم يعد ينتجه النص بجودته الذاتية، بل تنتجه شبكة معقدة كاملة من الوسطاء والحراس. ولذلك فإن كثيرا من المعارك الأدبية التي تبدو في ظاهرها معارك جمالية أو فكرية، ليست في حقيقتها سوى صراعات شرسة على احتكار صكوك الاعتراف وتوزيع السلطة الرمزية داخل الحقل الثقافي المأزوم.
إن الأزمة، في جوهرها العميق، ليست أزمة لغة، ولا أزمة جنس أدبي، ولا حتى أزمة عزوف عن القراءة؛ إنها أزمة بنية هيكلية مغلقة. فالثقافة لا تعمل في الفراغ المطلق، بل داخل شبكة مصالح مادية ورمزية تنتج ما يسمى “اقتصاد الاعتراف”. فالاعتراف هنا ليس شعورا أخلاقيا نبيلا، بل هو رأسمال رمزي قابل للتحويل والاستثمار. ومن يمتلك أدوات إنتاجه يمتلك القدرة على تشكيل الذائقة العامة، وصناعة الأسماء البراقة، وإعادة رسم خرائط المركز والهامش وفق هواه.
لقد أصبح السؤال المتردد في الكواليس: *من يعرف من؟* أشد حضورا وتأثيرا من سؤال الأصالة: *من كتب ماذا؟*… وهذا التحول البنيوي أنتج ظاهرة مقلقة تتمثل في تدوير الأدوار داخل الحقل الثقافي بشكل يثير الريبة؛ حيث تضيق الدائرة لتتكرر الأسماء ذاتها في مختلف المواقع الحيوية بشكل تبادلي دائم:
* عضو لجنة تحكيم في جائزة يتحول إلى مرشح لها في دورة لاحقة.
* المرشح السابق يصبح فجأة محكما يزن أعمال الآخرين.
* المحكم يكتب تقديما احتفائيا لكتاب ناقد صديق.
* الناقد يدير مهرجانا دوليا يستضيف نفس المجموعة التي دعمته.
إن القضية هنا لا تستهدف اتهام أفراد بأعيانهم أو التشكيك في ذممهم الشخصية، بل تستهدف مساءلة بنية تنظيمية تسمح بتراكم النفوذ الرمزي داخل حلقة احتكارية ضيقة. وحين تضيق دوائر التداول بهذا الشكل، يصبح تضارب المصالح أصلا ثابتا في العمل. هكذا تتشكل *شبكات التكاتف الثقافي… القائمة على المنفعة المتبادلة: أقدمك اليوم في منبر، فتقدمني غدا في منصة…. أكتب عن كتابك، فتكتب عن كتابي…. أرشحك لجائزة، فترشحني لدعوة خارجية.
هذه المنظومة العلائقية تنتج ظاهرة *”الريع -ثقافية” وهي البيروقراطية النخبوية التي لا تدير الأوراق الإدارية، بل تدير الرأسمال الرمزي وصناعة النجومية. إنها لا تنتج الإبداع قط، ولكنها تضع شروط القبول به وتؤجل الاعتراف بالمختلف حتى تنهكه العزلة أو تتبناه المؤسسة بعد أن ينتهي خطره النقدي. وفي هذا المناخ، ولد اقتصاد التفاهة الثقافية حيث تصبح الصورة والعلاقات العامة والاستثمار التسويقي أهم بكثير من القيمة الأدبية والجمالية للنص، لتتحول النجومية إلى علامة تجارية جافة.
لقد أفرزت هذه البنيات المغلقة، خلال العقود الأخيرة، شكلا جديدا وصادما من الأرثوذكسية (الاتباعية الجامدة). وهي ليست الأرثوذكسية السلفية التراثية التي تعلن عداءها الصريح للتحديث، بل هي أرثوذكسية مستترة تتحدث باسم الحداثة نفسها. إنها نخبة تستعمل ببراعة قاموس التجريب، والتفكيك، والمغايرة، والاختلاف، لكنها تمارس في العمق أكثر أشكال الانغلاق والوصاية صرامة. إنها حداثة تحولت إلى عقيدة دوغمائية، وإلى جهاز لفرز الولاءات، ونموذج جامد ينبغي استنساخه حرفيا، لتصبح الحداثة المؤسساتية بمثابة تراث جديد يعبد الاصطلاح ويقتل الروح. لم يعد المطلوب من الكاتب الجديد أن يبدع بعفوية ومخاطرة، بل أن يكتب بالطريقة والمنهج المعترف بهما سلفا داخل روقة المؤسسة.
ومن أبرز الآثار المدمرة لهذا التوجه انتشار ظاهرة إعادة التدوير المعرفي والمخيال المستعار
إعادة تدوير الأفكار.
. لم يعد الإنتاج الفكري في حالات كثيرة إنتاجا حقيقيا لأسئلة جديدة، بل مجرد براعة في إعادة ترتيب الأفكار القديمة المستوردة عبر تغيير العناوين، وتبديل المصطلحات، وتكثير الهوامش، بينما تبقى البنية العقلية راكدة دون تجديد.
كم من رواية يجري الاحتفاء بها بحرارة في محافلنا وهي لا تعدو أن تكون إعادة تركيب مشوه لسردية أجنبية، عبر تغيير أسماء الشخصيات وتحوير الفضاء الجغرافي؟ إنها سرقة رؤى وبنى وإيقاعات كاملة جرى تسويقها محليا بعد حقنها بما يمكن تسميته “البوتوكس اللغوي”….وهو استخدام لغة إنشائية براقة فاتنة تخفي في حقيقتها شيخوخة الفكرة وخواء الرؤية وموت المخيلة التي تعيش عالة على استهلاك إبداع الآخرين. إن الأزمة الحقيقية هنا لم تكن يوما في ضعف الأداة اللغوية، بل في انعدام شجاعة المخاطرة والابتكار.
شبكات المصالح السرية التي تصنع نجوم الأدب وتغتال الإبداع الحقيقي، وإن الخروج من هذا المأزق البنيوي الخانق يفرض علينا بداية التمييز الحاسم بين مفهوم “المدرسة الأدبية” ومفهوم “الشلة الثقافية”…فالأولى تبنى دائما حول فكرة كبرى، أو سؤال معرفي مؤسس، أو رؤية جمالية جديدة للغة والعالم، ولذلك فهي تنتج الفكر والمعرفة… أما الثانية فتبنى حصرا حول مصالح الأشخاص وتبادل المنافع وتزول بزوالها، ولذلك فهي لا تنتج سوى النفوذ المؤقت والوجوه المكررة. وإن الخلط بينهما كان وما زال من أكثر الظواهر إضرارا بالثقافة العربية الحية.
إن معركتنا الحقيقية اليوم ليست معركة إسقاط براديغم معرفي لحساب براديغم آخر، ولا استبدال كهنوت قديم بكهنوت جديد يرتدي أقنعة حداثية براقة، بل هي معركة الدفاع المستميت عن حق الثقافة في أن تظل فضاء مفتوحا للأسئلة المقلقة، وحق الإبداع في أن يبقى أكبر من مؤسساته، وأوسع من جوائزه، وأعمق من شبكات مصالحه ونفوذه.
لقد علمنا تاريخ الأدب الطويل أن الزمن أكثر نزاهة وعدلا من اللحظة الراهنة العابرة، وأن الأعمال الفذة التي غيرت مجرى الإنسانية لم تكن في معظمها موضع احتفاء عند صدورها الأول. إن التاريخ الأدبي لا يكتبه حراس البوابات القابعون عند مخارج الماضي والحاضر، بل يكتبه أولئك الخارجون على الإجماع المزيف، الذين امتلكوا الشجاعة المعرفية الكاملة للمرور خارج تلك البوابات نحو المجهول والمستقبل.
كاتب وإعلامي







