لم تكن مصادقة مجلس الحكومة الخميس المنصرم على مشروع القانون رقم 47.26 المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط مجرد خطوة تنظيمية لتحديث الإطار القانوني لمؤسسة عمومية، بل تعكس، في نظر مصادر مطلعة، تحولاً عميقا في تصور الدولة لوظيفة هذه المؤسسة.
فإذا كانت المندوبية ارتبطت تاريخيا بفلسفة “التخطيط الاستراتيجي” ذات الامتداد السياسي والاقتصادي، فإن المشروع الجديد يؤشر على انتقالها نحو منطق يقوم على الحكامة والتقييم وقياس الأداء، انسجاما مع مقتضيات الفصل 159 من الدستور، بما يعزز طابعها كمؤسسة مستقلة يفترض أن تؤطر عملها قواعد الحياد المؤسساتي أكثر من النقاشات السياسية.
وترى المصادر أن المندوبية السامية للتخطيط، خصوصاً خلال مرحلة المندوب السامي السابق أحمد الحليمي العلمي، مثلت الامتداد المؤسساتي لما كان يعرف بوزارة التخطيط خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كان التخطيط يشكل إحدى الأدوات الرئيسية لتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، في سياق تأثر جزء من النخبة الإدارية والاقتصادية آنذاك بأفكار الديمقراطية الاجتماعية.
وخلال تلك المرحلة، تحولت تقارير المندوبية إلى مرجع أساسي في النقاش العمومي، بل كثيراً ما وُصفت بأنها تمثل “معارضة مؤسساتية صامتة”، بعدما كانت أرقامها بشأن الفقر والبطالة والتفاوتات الاجتماعية تصطدم، في أكثر من مناسبة، بخطاب الحكومات المتعاقبة، بما فيها حكومة عزيز أخنوش.
ومع تعيين شكيب بنموسى مندوبا ساميا للتخطيط، وبالتزامن مع إخراج مشروع القانون الجديد، تقرأ مصادر نيشان هذا المسار باعتباره مؤشراً على ترسيخ مقاربة تكنوقراطية في تدبير المؤسسة، تقوم على تعزيز وظائف التقييم والإحصاء والحكامة أكثر من الانخراط في النقاشات المرتبطة بالخيارات الاقتصادية الكبرى.
ويأتي ذلك في سياق يتقاطع مع الأدبيات التي تروج لها المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، والتي تركز على مفاهيم الحكامة الجيدة، والحياد المؤسساتي، وقياس الأداء، باعتبارها أدوات لتقييم السياسات العمومية بعيداً عن التجاذبات الإيديولوجية.
وبموجب المشروع الجديد، ستتوسع اختصاصات المندوبية لتشمل تقييم السياسات العمومية وتتبع تنفيذ النموذج التنموي الجديد، وهو ما يضفي بعدا إضافيا على المؤسسة، خاصة وأن شكيب بنموسى سبق أن ترأس اللجنة الخاصة التي أعدت هذا النموذج.
ويرى منتقدون أن هذا التداخل بين إعداد المرجعية التنموية والإشراف لاحقا على تقييم تنزيلها قد يثير نقاشًا حول طبيعة الاستقلالية المطلوبة في ممارسة هذه المهمة، بينما يعتبر المدافعون عن المشروع أن الأمر يندرج في إطار استمرارية الرؤية وضمان انسجام السياسات العمومية.
ويجد هذا التحول، بحسب عدد من الخبراء الاقتصاديين، انعكاسه أيضا في السياسة الإحصائية التي بدأت ملامحها تتبلور خلال النصف الأول من سنة 2026، خاصة مع اعتماد منهجية جديدة لاحتساب مؤشرات الشغل والبطالة.
ففي الوقت الذي ترى فيه المندوبية أن هذه المراجعة تأتي لملاءمة الإحصاءات الوطنية مع المعايير الدولية المعتمدة، يعتبر منتقدون أن تغيير بعض التعاريف الإحصائية قد يؤثر على قراءة الواقع الاجتماعي، ويعيد توجيه النقاش من مضمون السياسات العمومية ونتائجها إلى الجوانب التقنية المرتبطة بمنهجيات الاحتساب، بما يمنح الأرقام الرسمية هامشا أكبر من الحصانة أمام الجدل السياسي والنقابي.
في المحصلة، يكشف مشروع القانون رقم 47.26 عن مرحلة جديدة في مسار المندوبية السامية للتخطيط، عنوانها تعزيز أدوار الحكامة والتقييم داخل بنية الدولة. غير أن هذا التحول يفتح، في المقابل، نقاشًا أوسع حول حدود استقلالية المؤسسات التقنية، ومدى قدرتها على الحفاظ على دورها النقدي في تشخيص الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الخبرة التكنوقراطية في صناعة القرار العمومي، مقابل انحسار حضور الفاعل السياسي في رسم الخيارات الاستراتيجية وتقييم آثارها.







