في الوقت الذي تواصل فيه موجة الحرارة الاستثنائية اجتياح عدد من أقاليم المملكة، بدرجات تجاوزت 46 درجة في بعض المناطق الداخلية، يجد ملايين المغاربة أنفسهم أمام عبء جديد يضاف إلى غلاء المعيشة، عنوانه ارتفاع فواتير الكهرباء والماء، في مشهد يتكرر كل صيف، لكنه يزداد حدة سنة بعد أخرى مع توالي موجات الحر واشتداد آثار التغيرات المناخية.
ولم تعد حرارة الصيف مجرد معطى مناخي تقيسه نشرات الأرصاد الجوية، بل تحولت إلى عامل اقتصادي يثقل ميزانية الأسر، بعدما أصبح تشغيل المكيفات والمراوح والثلاجات لساعات أطول خيارا لا مفر منه، خاصة في المدن الداخلية التي تتجاوز فيها الحرارة 45 درجة.
ويعكس الضغط المتزايد على الشبكة الكهربائية حجم هذا التحول. ففي صيف 2024، سجل المغرب رقما قياسيا في الطلب على الكهرباء بلغ حوالي 7.9 جيغاواط خلال إحدى فترات الذروة، وفق معطيات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وهي مستويات غير مسبوقة تعكس الارتفاع الكبير في استهلاك أجهزة التبريد خلال فترات الحر الشديد.
ولا تتوقف الكلفة عند فاتورة الكهرباء، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة استهلاك المياه داخل المنازل، سواء بسبب تكرار الاستحمام أو استعمالها في التبريد والتنظيف وسقي المساحات الخضراء. ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه المغرب يواصل التعافي من تداعيات ما يقارب سبع سنوات متتالية من الجفاف، في ظل استمرار السدود في استعادة مخزونها المائي تدريجياً، ما يجعل أي ارتفاع في الاستهلاك يشكل ضغطاً إضافياً على الموارد المائية المحدودة.
وبحسب الوكالة الدولية للطاقة، فإن أجهزة التكييف أصبحت تمثل نحو 10 في المائة من الاستهلاك العالمي للكهرباء، فيما يتوقع أن يتضاعف الطلب عليها خلال العقود المقبلة، خاصة في الدول التي تشهد ارتفاعا متسارعا في درجات الحرارة، وهو ما يضع المغرب ضمن البلدان المرشحة لارتفاع أكبر في استهلاك الطاقة خلال فصل الصيف.
ولا يقتصر تأثير موجات الحر على الأسر، بل يمتد إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية. فعمال البناء والفلاحة والنظافة والنقل يضطرون إلى تقليص ساعات العمل خلال فترات الذروة، بينما ترتفع كلفة تشغيل المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية بسبب الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار الخدمات والمنتجات.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الإجهاد الحراري قد يؤدي إلى فقدان ما يعادل أكثر من 2 في المائة من ساعات العمل عالميا بحلول 2030، بما يوازي نحو 80 مليون وظيفة بدوام كامل، نتيجة انخفاض الإنتاجية خلال فترات الحر الشديد، وهي مؤشرات يرى خبراء أنها ستنعكس تدريجيا على اقتصادات منطقة شمال إفريقيا، ومنها المغرب.
من جهة أخرى، لم تعد الأسر ذات الدخل المحدود تواجه فقط معضلة الغلاء، بل أصبحت مطالبة بالاختيار بين تحمل حرارة خانقة قد تهدد صحة الأطفال والمسنين، أو تشغيل أجهزة التبريد وتحمل فاتورة كهرباء أكبر في نهاية الشهر، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية.
ويرى مختصون في اقتصاد المناخ أن موجات الحر لم تعد حدثا استثنائيا، بل أصبحت جزءا من الواقع المناخي الجديد، ما يفرض إعادة التفكير في تصميم المدن، وطرق البناء، وكفاءة العزل الحراري للمنازل، وسياسات ترشيد الطاقة، حتى لا تتحول حرارة الصيف إلى عبء اقتصادي دائم.
وبين درجات حرارة تلامس الخمسين في بعض المناطق، وفواتير تتجه إلى الارتفاع، تبدو موجة الحر الحالية أكثر من مجرد ظاهرة جوية عابرة؛ إنها وجه آخر لكلفة التغيرات المناخية، تؤديه الأسر المغربية بصمت، شهرًا بعد آخر، عبر عدادات الكهرباء والماء، قبل أن تشعر به في جيوبها.







