في الوقت الذي لم تخفت فيه بعد أصداء المحطة الختامية لحزب التجمع الوطني للأحرار بالدار البيضاء، فتح الشعار الجديد الذي رفعه الحزب، “كرامة وفرص للجميع”، نقاشا واسعا حول طبيعة التحول الذي يطبع خطابه السياسي. فالحزب الذي ارتبط منذ تأسيسه بالليبرالية واقتصاد السوق، بات يقدم نفسه اليوم باعتباره أحد أبرز المدافعين عن “الدولة الاجتماعية”، وهو تحول يرى فيه مراقبون محاولة لإعادة تموقع سياسي أكثر منه مراجعة فكرية حقيقية، خاصة بعد خمس سنوات قاد خلالها الحكومة وواجه خلالها انتقادات متواصلة بشأن حصيلته الاجتماعية والاقتصادية.
وترى مصادر تحدثت الى نيشان أن اعتماد الحزب خطابا اجتماعيا جديدا لا يمكن فصله عن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ولا عن التحولات التي فرضها النقاش العمومي حول الغلاء والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية. وتعتبر المصادر ذاتها أن “الأحرار” يحاول إعادة تقديم نفسه بواجهة اجتماعية جديدة، رغم أن صورته لدى شريحة واسعة من الرأي العام تشكلت، خلال سنوات تدبيره للحكومة، حول خيارات اقتصادية ليبرالية وقرارات وصفتها المعارضة والمركزيات النقابية بأنها لم تستجب لانتظارات الفئات المتوسطة والهشة.
وتذهب المصادر إلى أن الحزب وجد نفسه مضطراً إلى تغيير لغته السياسية أكثر من تغيير مرجعيته الاقتصادية، بعدما أصبحت حصيلته الحكومية محل نقاش متزايد بسبب استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.وتضيف أن تبني مفردات من قبيل “الكرامة” و”الفرص” و”الدولة الاجتماعية” يندرج، بحسب قراءتهم، ضمن محاولة لاستعادة ثقة الناخبين وإعادة تسويق الخطاب السياسي، دون أن تصاحب ذلك، إلى حدود الآن، مراجعة واضحة للفلسفة الاقتصادية التي حكمت تدبير الحزب للشأن العام.
وفي تصريح لموقع “نيشان”، قال المحلل الاقتصادي محمد جوريو إن أي شعار انتخابي جديد سيظل مرتبطا، في نظر المواطنين، بميزان الحصيلة الحكومية أكثر من ارتباطه بقوة الرسائل السياسية. وأوضح أن الحديث عن الكرامة والفرص لا يمكن فصله عن تقييم المغاربة لما عاشوه خلال السنوات الأخيرة على مستوى الأسعار والقدرة الشرائية والتشغيل، معتبراً أن المواطن أصبح يقيس الخطابات بمدى انعكاسها على حياته اليومية، لا بما تحمله من عبارات سياسية.
وأضاف جوريو أن الرهان على الاستثمار الخاص باعتباره المدخل الرئيسي لتحقيق النمو وخلق فرص الشغل ينسجم مع المرجعية الليبرالية للحزب، غير أن هذا الخيار، بحسبه، لا يعفي من تقديم أجوبة بشأن العدالة الاجتماعية والعدالة الجبائية وإعادة توزيع الثروة، وهي الملفات التي ظلت، وفق عدد من المتابعين، في صلب الانتقادات الموجهة للحكومة خلال ولايتها.
في المقابل، تؤكد قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار أن الشعار الجديد لا يعكس أي تغيير في هوية الحزب، وإنما يجسد ما تصفه بـ”الليبرالية الاجتماعية”، القائمة على التوفيق بين تشجيع الاستثمار وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية. كما تعتبر أن إشادة رئيس الحزب محمد شوكي بسلفه عزيز أخنوش خلال المحطة الختامية تؤكد استمرارية المشروع السياسي للحزب، وليس البحث عن قطيعة مع المرحلة السابقة.
غير أن هذا الطرح لا يحظى بإجماع داخل الساحة السياسية. إذ يرى فاعلون في المعارضة وعدد من النقابيين أن الانتقال من خطاب ليبرالي صريح إلى خطاب اجتماعي مكثف يثير تساؤلات حول مدى انسجام الشعارات الجديدة مع الحصيلة الحكومية، معتبرين أن المواطنين سيقارنون بين الوعود الحالية وما تحقق فعلياً خلال السنوات الخمس الماضية، لا سيما في ملفات القدرة الشرائية والأسعار والتشغيل والحوار الاجتماعي.
كما يعتبر مراقبون أن حديث الحزب عن “الإنصات” وإشراك مختلف الفاعلين في إعداد برنامجه الانتخابي سيظل، في نظر الرأي العام، رهيناً بمضمون البرنامج نفسه، وبمدى استجابته للمطالب التي ظلت ترفعها النقابات والهيئات المهنية والأحزاب المعارضة، بعيداً عن الاكتفاء بإعادة صياغة الخطاب السياسي أو تغيير الشعارات.
وترى المصادر أن أكبر تحد يواجه حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم لا يتعلق بابتكار شعار جديد أو تحسين أدوات التواصل السياسي، وإنما بإقناع الناخبين بأن الخطاب الاجتماعي الذي يتبناه اليوم يمثل تحولاً في السياسات وليس مجرد تحول في اللغة. ويؤكد هؤلاء أن خمس سنوات من قيادة الحكومة جعلت الحزب يواجه استحقاقا مختلفا، إذ لم يعد يقاس بوعوده، بل بحصيلته، ولم تعد شعارات من قبيل “الكرامة” و”الفرص” تُختبر في المؤتمرات والتجمعات الحزبية، وإنما في قدرة المواطنين على ملامسة أثرها في أسعار المواد الأساسية وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية، وهي الملفات التي ستكون، بحسب مراقبين، الفيصل الحقيقي في تقييم صدقية الخطاب الجديد خلال الاستحقاقات المقبلة.







