رغم تقديم الحكومة توسيع برنامج تشغيل العاملات الموسميات المغربيات بإسبانيا باعتباره مؤشرا على نجاح التعاون الثنائي بين الرباط ومدريد، فإن هذا التوسع يواصل إثارة نقاش حقوقي واجتماعي بشأن كلفته الإنسانية وانعكاساته على أوضاع النساء القرويات وأسرهن.
وكان وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، قد أعلن أمس الاثنين أمام مجلس النواب أن عدد العاملات الموسميات المغربيات اللواتي التحقن هذا الموسم بالضيعات الفلاحية الإسبانية تجاوز 15 ألف عاملة، معتبراً أن البرنامج عرف تطوراً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، في إطار الشراكة المغربية الإسبانية في مجال الهجرة الدائرية.
غير أن هذا التطور الكمي يعيد إلى الواجهة نقاشاً متجدداً حول طبيعة هذا النموذج من التشغيل الموسمي، في ظل استمرار اشتراط معايير اجتماعية محددة أثناء عملية الانتقاء، من بينها أن تكون المترشحة من الوسط القروي ولديها أطفال قاصرون، وهي شروط تبررها الجهات المشرفة على البرنامج بكونها تعزز احتمال عودة العاملات إلى المغرب بعد انتهاء الموسم الفلاحي.
في المقابل، ترى جمعيات حقوقية وعدد من الباحثين في قضايا الهجرة أن هذه المعايير تثير نقاشاً بشأن آثارها الاجتماعية، بالنظر إلى اضطرار آلاف النساء إلى مغادرة أسرهن وأطفالهن لأشهر من أجل العمل خارج البلاد، في ظل محدودية فرص الشغل والدخل بالمناطق القروية التي ينحدرن منها.
ويعتبر هؤلاء أن استمرار الإقبال الكبير على البرنامج يعكس أيضاً هشاشة الأوضاع الاقتصادية التي تدفع العديد من النساء إلى البحث عن بدائل خارج المغرب.
كما يتواصل الجدل بشأن ظروف العمل والإقامة داخل الضيعات الفلاحية الإسبانية، خاصة في إقليم ويلفا، الذي يستقطب النسبة الأكبر من العاملات المغربيات.
فرغم تأكيد وزارة الإدماج الاقتصادي توفير المواكبة الإدارية والتغطية الصحية والتنسيق مع السلطات الإسبانية، سبق لعدد من التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية ونقابات إسبانية ودولية أن سجلت وجود شكاوى مرتبطة بظروف العمل والسكن، وإن كانت هذه الحالات لا تشمل جميع الضيعات ولا تعكس وضعية كافة العاملات.
وتشير مصادر نيشان إلى أن الطبيعة الجغرافية للضيعات الفلاحية، المنتشرة في مناطق متباعدة، تجعل عمليات المراقبة والتتبع الميداني أكثر تعقيداً، سواء بالنسبة للمصالح القنصلية المغربية أو لمفتشيات الشغل الإسبانية، وهو ما يدفع إلى المطالبة بتعزيز آليات المراقبة، وتسهيل ولوج العاملات إلى مساطر التبليغ عن أي تجاوزات، مع توفير مواكبة قانونية ولغوية تضمن لهن ممارسة حقوقهن.
ويفتح هذا الملف، وفق مهتمين بقضايا التشغيل والهجرة، نقاشا أوسع حول الأسباب التي تجعل آلاف النساء القرويات يقبلن سنوياً على العمل الموسمي بالخارج. ويرى هؤلاء أن استمرار هذا الإقبال يرتبط أساساً بضعف فرص الشغل في العالم القروي ومستوى الأجور في القطاع الفلاحي، رغم الإجراءات التي أعلنتها الحكومة لتحسين الدخل وظروف العمل.
وفي هذا السياق، كان الوزير يونس السكوري قد أشار إلى أن الحد الأدنى للأجور في القطاع الفلاحي عرف زيادة بنسبة 25 في المائة خلال السنوات الأخيرة، غير أن متابعين يعتبرون أن هذه الزيادات لم تنهِ الفوارق في الدخل ولم تحد من لجوء النساء إلى برامج العمل الموسمي بالخارج، وهو ما يجعل، بحسبهم، نجاح البرنامج لا يقاس فقط بعدد المستفيدات، وإنما أيضاً بقدرته على توفير ضمانات اجتماعية وحماية كافية للعاملات، وبمدى تقدم السياسات العمومية في خلق بدائل اقتصادية مستقرة داخل المناطق القروية.







