كلما اعتقدنا أن كرة القدم مجرد لعبة، جاءت مباراة واحدة لتثبت العكس. ففي فضائنا العربي والإفريقي، لم تعد الكرة مجرد تسعين دقيقة فوق العشب، بل أصبحت امتدادًا لصراعات السياسة، ومتنفسًا لعقدٍ لا تجد طريقها إلى الحل في الواقع، فتبحث عن تصفية حساباتها داخل المستطيل الأخضر.
لذلك، فإن ما عاشته منتخبات مصر والسنغال والجزائر في مونديال 2026 لا ينبغي أن يُقرأ فقط بمنطق النتيجة الرياضية. نعم، هناك أخطاء تحكيمية أثارت كثيرًا من الجدل. ونعم، هناك تفاصيل كان يمكن أن تغيّر مصير بعض المباريات. لكن الحقيقة أن المنتخبات الكبيرة لا تسقط بسبب صافرة حكم وحدها، كما أن المشاريع الرياضية لا تنهار بقرار واحد، مهما كان مجحفا.
قبل أشهر، وخلال كأس إفريقيا، لم يكن جزء من الرأي العام في الفضاء العربي والإفريقي منشغلاً بمستوى منتخبه أو بحظوظه في المنافسة، بقدر ما كان منشغلاً بسؤال آخر: متى يخسر المغرب؟ تحولت هزيمة المنتخب المغربي، بالنسبة إلى البعض، إلى بطولة قائمة بذاتها. وانخرطت منصات وحسابات إلكترونية، بعضها معروف بخلفياته السياسية، في تغذية هذا المناخ، حتى بدا وكأن معركة الكرة لم تعد تُحسم في الملعب، بل في غرف الدعاية والتحريض.
غير أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الكراهية في حد ذاتها، بل ما تُخلّفه في وعي أصحابها. فمن يجعل سقوط غيره مشروعه الأول، يؤجل تلقائيًا مواجهة مشاكله هو. والطاقة التي تُهدر في مراقبة نجاح الجار تُسحب من رصيد الإصلاح الذاتي. والمنتخب الذي يدخل المنافسة وهو مشغول بمعركة خارج البطولة، يكتشف سريعًا أن خصومه الحقيقيين لا ينتظرونه على منصات التواصل، بل داخل المستطيل الأخضر.
ولعل هذا هو الدرس الذي غاب عن كثيرين. فالدول التي صنعت أمجادها الكروية لم تفعل ذلك لأنها كانت تتمنى الهزيمة لمنافسيها، بل لأنها انشغلت ببناء نفسها. استثمرت في مراكز التكوين، وطورت بطولاتها، وراهنت على الاستقرار والعمل طويل النفس. أما في جانب من واقعنا، فكثيرا ما نستثمر في الضجيج أكثر مما نستثمر في المشروع، وفي تصدير الأزمات أكثر مما نستثمر في معالجتها.
واليوم، يتحدث كثيرون عن “كارما” رياضية، بعدما ذاق بعض من احتفلوا بالأمس مرارة قرارات تحكيمية مثيرة للجدل. لكن القضية ليست كارما، ولا عقابًا غيبيًا. القضية أبسط من ذلك وأكثر قسوة. فمن يقبل الظلم عندما يقع على خصمه، يساهم في تحويله إلى قاعدة. ومَن يبرر التحكيم السيئ لأنه يخدم هواه، لا يملك حق الاحتجاج عندما يصبح هو الضحية التالية. فالعدالة لا تُجزأ، ونزاهة المنافسة لا تُدافع عنها بحسب ألوان القمصان أو الحسابات السياسية.
والمغرب بدوره سيكون مخطئًا إذا تعامل مع ما يحدث بمنطق التشفي. فالشماتة لا تصنع مشروعًا، كما أن الرد على الكراهية بكراهية أخرى لا ينتج إلا مزيدًا من الضجيج. وإذا كان هناك ما يميز التجربة المغربية في السنوات الأخيرة، فهو أنها بدأت، لأول مرة منذ زمن، تنقل النقاش من عقلية انتظار تعثر الآخرين إلى ثقافة بناء الذات، مهما كانت الملاحظات والاختلالات التي لا تزال قائمة.
لعل أخطر ما أصاب كرة القدم في فضائنا العربي والإفريقي ليس تراجع النتائج، بل تراجع المعنى. حين تصبح هزيمة منتخب عربي أو إفريقي مناسبة للفرح في بلد شقيق، ويصبح انتصار الجار سببًا للغضب بدل أن يكون حافزًا للمنافسة، فإن الأزمة لم تعد أزمة كرة قدم، بل أزمة وعي. عندها يفقد الانتصار قيمته، وتتحول الرياضة إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات التي عجزت السياسة عن حسمها.
في النهاية، لا تحتاج كرة القدم العربية والإفريقية إلى مزيد من الجماهير التي تحصي عثرات الآخرين، بقدر ما تحتاج إلى مسؤولين وإعلاميين وجماهير تملك شجاعة النظر في المرآة. فالمنتخبات لا تتقدم بالكراهية، والمشاريع لا تُبنى بالشماتة، والأمم التي تنشغل بإسقاط غيرها، تستيقظ غالبًا بعد فوات الأوان لتكتشف أنها كانت، في الحقيقة، تُسقط نفسها أولاً.







